محمد عبيد

أي حكومة بعد "جريمة 4 آب"؟

6 دقائق للقراءة
الموت على أيدي الفاسدين ذلٌ ومهانة (فضل عيتاني)

إعتاد الساسة الطائفيون اللبنانيون بعد كل حدث وطني مهما كان كبيراً وخطيراً، أن يعالجوا تداعيات هذا الحدث بالإلتفاف عليه عبر إستدراج الرأي العام الى الإصطفاف عنوة خلفهم، وذلك تحت ذريعة الخوف المتوارث من اللبناني الآخر كون هذا الآخر لا بُدّ وأنه يُعِدّ العدة للإنقضاض على مُواطِنه الآخر الشريك.

لذلك كما في كل مرة، المواطنون اللبنانيون يصبحون ضحية مرتين: الأولى، نتيجة فشل مشروع الدولة وتجذر الفساد والإستهتار وضياع المسؤولية فيها، والثانية بسبب التجهيل المتعمد أو التمييع المقصود لمحاسبة المسؤولين عن حصول هذا الحدث مهما كان حجمه. ولأن هؤلاء الساسة تمرسوا الوقاية المسبقة من المحاسبة، فإنهم بمجرد وقوع أي حدث يعملون على تحريف وقائعه أو إلباسه ثوب الشرارة التي يمكن أن تقود الى حرب أهلية، وبالتالي فإن "المصلحة الوطنية العليا والحفاظ على السلم الأهلي"، كما يروجون، يتقدمان على كل ما عداهما من أرواحٍ مزهوقة أو مفقودة أو جراحٍ مفتوحة أو بيوتٍ منكوبة أو حتى عاصمةٍ مدمرة لم تعد تشبه نفسها، وربما لن تستعيد صورتها ولونها وروحها وبالتأكيد فرحها لسنوات طويلة مقبلة. وَهْمُ هؤلاء الأساس يكمن دائماً في ضرورة إغلاق أي ملف محاسبة درءاً لإستدراجهم الى القبول بفتح ملفات أخرى، خصوصاً إذا كانت متصلة بجريمة بيروت في الرابع من آب الجاري، وبالأخص حين تطال وزارات ومؤسسات وإدارات تعاقب أزلامهم عليها، مما ينذر بعواقب لن تتوقف عند هؤلاء الأزلام والمحاسيب بل ستتعداهم لتضرب أسس المنظومة الحاكمة القديمة منها والمستجدة.

لذلك كله لست من المتفائلين بإمكانية أن يصل أي تحقيق محلي قائم أو دولي مفترض الى نتائج سريعة وفعلية، تقود الجناة المسؤولين معنوياً ومادياً الى خلف القضبان أو على الأقل الى نزع حقوقهم السياسية، وبالتالي منعهم من تبوؤ أية مسؤولية متصلة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة بالشأن العام. وكوني من جيلٍ عاش حروب بيروت الصغيرة والكبيرة، وصمد في أحيائها إبان قصف العدو الإسرائيلي لها، ومن ثم شاهد بأم العين إجتياح هذا العدو لها وإندحاره منها مهزوماً، وعاش فيها وعاد وعايش محاولات إستنهاضها مع ما رافق ذلك من إخفاقات ونجاحات، إلا أنني بعد جريمة الرابع من آب أعتقد أن لبنان بأكمله لن ينهض ما لم تنهض بيروت من نكبتها الدامية، ليس لأن بيروت هي العاصمة ومركز الدولة وموقع مؤسساتها، بل لأن لبنان في ظل أداء السلطة السياسية بعد الطائف إزداد إنفصال أطرافه بعضها عن بعض وتجذر تشرذمه الطائفي، ولم يتبقَّ سوى بيروت الموقع الجامع لتفاعل اللبنانيين وتعايشهم وتصارعهم أيضاً. لذلك فإن إستعادة لبنان لوحدته على المستوى الميثاقي والإجتماعي والوطني مشروطة باستعادة بيروت لموقعها في قلوب اللبنانيين ونفوسهم وعقولهم، كذلك مرهونة بإخراجها من فرضية إعادة رسم خطوط تماس كامنة تظهر كلما إستدعى الأمر الطائفي أو المذهبي ذلك.

بالعودة الى المسألة السياسية المباشرة، لا بُدّ من تسجيل الإستغراب من محاولات ما تسمى السلطة الحالية الموالية منها والمعارضة المستجدة، القفز فوق الوقائع السياسية والشعبية التي فرضتها إنتفاضة 17 تشرين المطلبية الشريفة، كذلك السعي الى تجاوز ثابتة أن جزءاً كبيراً من هذه السلطة بشقّيها، هو المسؤول المباشر عن تهيئة الأرضية الرسمية والإدارية والأمنية المشبوهة لحصول هذه الجريمة-الإنفجار. وأبرز تجليات هذه المحاولات طرح إعادة لملمة صفوف أطراف هذه السلطة في ما تسمى حكومة وحدة وطنية، أما في الواقع فإنها ستكون حكومة جامعة لكل شرائط المحاصصة والفساد والنكد السياسي، وتعطيل المشاريع وإقتسام الغنائم والتبرؤ من المصائب والإنهيارات.

وبعيداً من النوايا الطيبة أو المنطلقات السياسية التي دفعت سماحة السيد حسن نصرالله الى الإشارة الى رغبة "حزب الله" بتشكيل هذا النوع من الحكومات أو أنواع أخرى مشابهة، كحكومة ذات أوسع تمثيل سياسي وشعبي، إلا أن المشكلة لا تكمن في هذه النوايا والمنطلقات وإنما في مقاربة حلفاء "الحزب" وأخصامه لهذا الطرح، هذه المقاربة التي ستحكمها من دون أدنى شك حساباتهم الشخصانية والحزبية والطائفية والمذهبية والمناطقية الضيقة في التشكيل ولاحقاً في الأداء، والتي ستقود حتماً الى الإجهاز على ما تبقى من ثقة الناس بالدولة، والأهم إسقاط أي إحتمال لتحقيق أية محاسبة أو مساءلة أو تحقيق جنائي مالي او إصلاحات موعودة، أو إزاحة ومحاكمة رموز مالية وإدارية مرتكبة أو فاشلة. بصراحة مطلقة، هي تجربة مريرة عاشها الشعب اللبناني مع هذه النماذج من الحكومات ولم يجنِ إلا الظلم والفقر والموت والإستهانة بكرامته والدوس على حقوقه، خصوصاً وأن الأمر لا يقتصر على رغبة "حزب الله" ونواياه وهو الحاضر سياسياً فقط في إدارات الدولة ومؤسساتها، بل يتعلق أصلاً بعدم إستجابة الحلفاء قبل الأخصام لمخاوفه من سوق البلد الى مصير أكثر سواداً نتيجة غيّهم وإمعانهم في اعتماد الفساد والإستزلام سبيلاً لتثبيت نفوذهم وشعبويتهم، كذلك عدم الأخذ في الإعتبار هواجسه من تسليم البلد الى أجندات إقتصادية ومالية وبالتالي سياسية خارجية تضع قراره السيادي المستقل على المحك. بناءً على ذلك، تبدو فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية شبه مستبعدة أو بالأصح إنتفت إمكانية حصولها، خصوصاً بعد الزيارة الأخيرة للديبلوماسي الأميركي دايفيد هيل مع ما حملته من رسائل سياسية وشروط واضحة، لصياغة مشروع دولي لإنقاذ لبنان من أزماته المستعصية.

لذلك فإن التحدي الأبرز والأهم يظهر في قدرة "حزب الله" على إدارة آلية لإستخراج حكومة تحميها الأكثرية النيابية تقوم على المواءمة بين الأجندة الإصلاحية على المستويات كافة بدءاً من آليات تشكيل الحكومة ونوعية تركيبتها تحقيقاً لرغبات اللبنانيين أولاً، وبين السعي لتحصين الجبهة الداخلية من الإختراقات الإقليمية والدولية التي نجحت حتى الآن في تهشيم السلطة وإستعباد معظم مسؤوليها، وهي اليوم تحاول النفاذ من خلالهم الى إستنزاف رصيد المقاومة المعنوي والأخلاقي عبر ربطها بسلوكيات وأداء هؤلاء المسؤولين على مدى سنين.

أخيراً، الموت في مواجهة العدو إسرائيلياً كان أم تكفيرياً هو إفتخار وشهادة، أما الموت على أيدي الفاسدين فهو ذلٌ ومهانة ما لم يتم تحقيق العدالة، والعدالة لا تكون إلا بالإقتصاص منهم ومن أسيادهم.