يتمحور مسلسل Black Earth Rising (ارتفاع الأرض السوداء) حول «كيت آشبي» (ميكاييلا كويل)، وهي محقّقة بريطانية هربت من الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا في صغرها واحتضنتها أمّها بالتبني «إيف آشبي» (هارييت والتر)، المحامية الدولية المتخصّصة بجرائم الحرب. توافق «إيف» على استلام دور المدعي العام في قضية مرفوعة ضد «سايمون نيامويا» (داني ساباني)، جنرال ينتمي إلى قبيلة التوتسي ويستحق الإشادة بسبب دوره في إنهاء الإبادة الجماعية في رواندا. لكن تتّهمه «إيف» بارتكاب جريمة مريعة لا يعرفها أحد على ما يبدو إلّا هي والجنرال، وزميلها «مايكل إينيس» (جون غودمان)، وشخص آخر أو شخصَين. تشعر «كيت» برعب حقيقي وبجروح عميقة لأنها تنتمي في الأصل إلى قبيلة التوتسي أيضاً ولا تفهم ما يدفع أمّها إلى محاكمة الرجل الذي أنهى ذلك الكابوس. لا يقدّم المسلسل أي تفسير واضح في البداية، لكن تنكشف الحقائق تباعاً وسرعان ما يخرج الوضع عن السيطرة.
أكثر ما يُميّز هذا المسلسل هو عرضه قصة تشويق قانونية تمتزج مع بحثٍ مؤلم عن تاريخ شخصي، فتبقى خيوط كثيرة من القصة عالقة لدرجة أن ينساها المشاهدون بسهولة إلى أن يتجدّد التركيز عليها فجأةً وتنكشف بعض الحقائق في مراحل لاحقة من المسلسل. تتطوّر الأحداث وتتلاحق الصدمات من وقتٍ لآخر، كما يحصل في معظم قصص التشويق النموذجية. لكن تشمل القصة هذه المرة مقتل ملايين الناس بطرق وحشية واستعداد الجيش لذبح جماعة عرقية كاملة. في غضون ذلك، يعيش الأشخاص المستعدون للنضال في سبيل الحقيقة والعدالة في ألمٍ متواصل ومريع. هم مضطرّون أيضاً لحل الألغاز العالقة، وخوض مطاردات بالسيارات، والتّصدي للتهديدات من جميع الاتجاهات، وتجاوز عوائق لامتناهية، تزامناً مع محاربة مآسيهم الخاصة. يصعب تصوّر تلك المآسي، إذ يتّخذ بعضها منحىً عائلياً شائكاً ويشمل مثلاً تشخيصاً طبياً سلبياً، وابنة مريضة، وعمّة حاقدة، ومشاعر حزن وندم وعزلة. باختصار، لا تتوقّف دوّامة الأحداث القاتمة.
تحمل العواطف أهمية كبرى في هذه القصة، فهي تُعبّر عن شخصية «كيت» وتُمثّل القوة التي تحاربها معظم الشخصيات الأخرى أو تنجرّ وراءها. لكن تُكرّر الشخصيات دوماً أن اللحظات التي تعيشها نادراً ما تشكّل وجهتها النهائية. يتعامل الكاتب والمخرج هوغو بليك مع القصة بالأسلوب نفسه. خلال اللحظات الهادئة والجامدة، تتمحور الأحداث دوماً حول تجارب الشخصيات. من المنطقي مثلاً أن تحتاج «كيت» إلى أخذ استراحة لاستعادة تماسكها، أو أن يحتاج «مارتن» إلى بعض الوقت للتفكير أو تقييم الوضع. لكن بما أن الشخصيات لا تنسى في أي لحظة أن العالم من حولها لا يتوقف عن التقدّم وأن الحالات الطارئة لن تزول، تحافظ خيوط القصة على تماسكها بشكل عام. لهذا السبب، تُعطى أهمية كبرى للّمسات، والذكريات، والضغوط، والتجارب الآسرة. تكمن أشكال واضحة من القوة والإرادة وراء جميع أنواع الاحتكاك والتواصل، وتترافق هذه اللحظات دوماً مع الصلوات أو الوعود.
تتطوّر أحداث المسلسل مع تقدّم الحلقات رغم أجوائه القاتمة. تحمل الإبادة الجماعية طابعاً شريراً لا يمكن إنكاره، لكن يسهل التشكيك بأفكار كثيرة أخرى يطرحها صانعو العمل. تتمسّك الشخصيات مثلاً بقناعات راسخة، لكنها تعترف بالتعقيدات المحيطة بها، ويسعى معظمها إلى تحقيق مصالح متضاربة وتلبية حاجات دفينة. في الوقت نفسه، تبدو الشخصيات معقّدة، لا سيما «مارتن»، و»كيت»، و»أليس مونوزيرو» (نوما دومزويني) التي كانت تحمل رتبة جنرال سابقاً لكنها تنتظر الآن الوقت المناسب لإحداث تغيير جذري. ومع تقدّم الأحداث، يسهل التوصّل إلى خلاصة قوية حين يبدأ بليك بكشف أهم خطوط القصة. بحلول هذه المرحلة، يقدّم المسلسل بعض اللحظات المؤثرة، لكن يصعب أن نشاهد عملاً يبقي الجمهور على أعصابه في معظم الأوقات ثم يتخذ منحىً رتيباً ومنظّماً بشكلٍ مفاجئ.
يغيّر بليك وجهات النظر المطروحة بإيقاع متسارع. غالباً ما تُصوّر الكاميرا نزول الشخصيات على السلالم من فوق، أو تتّخذ الشخصية قرارها تزامناً مع تحريك الكاميرا من جهة إلى أخرى. لكن تتخذ المشاهد طابعاً عاطفياً بدرجة معيّنة عندما تمتزج المؤثرات البصرية مع العالم السريالي، كما يحصل مثلاً حين تؤثر الذكريات على حاضر «كيت». وفي لحظات أخرى، تبدو الأحداث غير واقعية لدرجة أن تفتقر القصة إلى المصداقية عندما يقرر صانعو العمل تعديل طريقة تعاملهم مع الأحداث. تتعدّد المشاهد المؤثرة في المسلسل، منها ظهور رجل بمعطف واسع في نهاية نفقٍ غمرته المياه، فتتغطى أظافره بالدم. كذلك، تدخل رصاصة في جمجمة خلال لقطة واقعية على نحو مرعب، وتنتشر الفقاعات في محيط وجه امرأة تحت الماء فيما تفتح عيناها لأقصى حد. من الناحية السلبية، تميل مشاهد الحركة القليلة إلى إعاقة سلاسة الأحداث، حتى لو كانت معروضة بأسلوب متقن.
في النهاية، يصعب أن يرضي هذا المسلسل جميع الأذواق، إذ لا يناسب خليط التشويق والمآسي الإنسانية جميع فئات المشاهدين. لكن سيروق هذا العمل لكل من يبحث عن أداء تمثيلي ممتاز وأفكار مقلقة وعميقة. إذا كان النضال من أجل العدالة في عالمٍ يتخبّط لمعرفة الحقيقة يجذبك، سيكون هذا المسلسل مناسباً لك على جميع المستويات.