جوزيف حبيب

"التنين" يُمهّد لـ"حرب التوحيد": سنُحطّم رؤوس الاستقلاليين!

5 دقائق للقراءة
شاشة عملاقة في بكين تنقل تقريراً عن المناورات الصينية حول تايوان أمس (أ ف ب)

كشّر الحزب الشيوعي الحاكم في بكين عن أنيابه مرّة أخرى وأطلق مناورات عسكرية ضخمة باسم «السيف المشترك 2024 أيه» في 23 أيّار ليومَين، تُحاكي محاصرة جزيرة تايوان من كلّ الجهات، فضلاً عن جزر كينمن وماتسو وووتشيو ودونغين الواقعة في قبضة تايبيه، ردّاً على تولية الرئيس الجديد لتايوان لاي تشينغ تي في 20 أيّار وإلقائه خطاباً «وطنيّاً» وصفته بكين بأنّه «اعتراف حقيقي باستقلال تايوان»، الأمر الذي يُعتبر خرقاً لـ»خط أحمر» عريض بالنسبة إلى بكين.

تهدف هذه المناورات إلى اختبار الصين قدرات جيشها وسرعته في التحرّك وفرض «ايقاعه العسكري» في الميدان و»حَبْس» تايوان اقتصاديّاً من خلال «خنق» موانئها وعزلها عن العالم، كما تبعث برسالة إلى واشنطن وحلفائها في المنطقة بأنّ بكين لديها الإمكانية والإرادة والتصميم على «قطع الطريق» أمام أي تدخّل عسكري أجنبي لمساعدة تايوان عندما تدقّ ساعة «حرب التوحيد» لضمّ الجزيرة وتحقيق «حلمها المؤجّل» منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1949 بإستعادة «نجمتها» إلى بقية أراضيها.

إستطاع جيش التحرير الشعبي الصيني «الإرتقاء» إلى مستوى متقدّم على صعيد نوعية أسلحته وجهوزيّته العسكرية مقارنة بالعقود السابقة، إلّا أنّه يبقى جيشاً «غير مُختبر» في الميدان لمعرفة مدى قدرته على حسم حرب مع تايوان بسرعة فائقة تحول دون تمكّن الولايات المتحدة من التدخّل إذا كانت مصلحتها تقتضي ذلك. السيناريو المُفضّل لدى الصين يكمن بفرض حصار مُطبق وسريع حول الجزيرة وشنّ موجة ضربات مُحدّدة الأهداف عليها، تمهيداً لاجتياحها وإسقاطها بالحدّ الأدنى من الخسائر على الطرفَين، وبالتالي «إحباط» التدخّل الأميركي قبل حدوثه.

يهمّ بكين تجنّب إلحاق دمار واسع في الجزيرة وتفادي «تدميرها» فوق رؤوس سكّانها الذين تعتبرهم جزءاً لا يتجزّأ من الشعب الصيني، إضافةً إلى أنّها ترغب في «الاستحواذ» على تايوان بكامل طاقاتها الإنتاجية، ولا سيّما صناعة «أشباه الموصلات»، السلعة الاستراتيجية التي تُنتج الجزيرة كمّية هائلة منها مكّنتها من «احتكار» قسم كبير من سوقها عالميّاً. وإذا ما نجحت الصين في خطّتها هذه مستقبلاً، تكون قد قطعت «الطوق العسكري» الذي «يُزنّر» برّها الرئيسي، علماً أنّ الكثير من المحلّلين يعتبرون هذا السيناريو صعب التحقيق لأسباب وعوامل مختلفة.

«الطوق العسكري» الذي شيّده «النسر الأميركي» وعزّزه لاحتواء «التنين الأصفر» وعرقلة «انفلاشه الحيوي» في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، يمتدّ من الأرخبيل الفيليبيني مروراً بتايوان وكامل خطّ سلسلة الجزر اليابانية المتناثرة، وصولاً إلى الأرخبيل الياباني وكوريا الجنوبية. «كسر» هذا «الطوق» وإبعاد واشنطن إلى «خطّها الخلفي» الذي يمرّ بجزيرة غوام الأميركية بدل تايوان، يُشكّل أولوية جيوسياسية بالغة الأهمية لبكين بالنسبة إلى مكانة الصين في أي نظام دولي جديد.

لكن يُرجّح مراقبون ألّا تكون تايوان «لقمة سائغة» يَسهل على «التنين» بلعها بسهولة وسرعة، مشيرين إلى ارتفاع احتمال اثبات الجيش التايواني فعاليّته من خلال صدّه، أقلّه «الموجة الأولى» للغزو الصيني، ما يُعبّد الطريق أمام «العم سام» وحلفائه لدخول الحرب، إن اتُّخذ قرار بخوضها في واشنطن. صحيح أنّ سقوط تايوان في يد الصين سيُحوّل حياة مواطني الكيان ذي الحكم الذاتي جحيماً، بيد أن صمود الجزيرة ذات التضاريس الجبلية التي تُسهّل عملية الدفاع، وتدخّل أميركا المباشر، سيُفجّر حرباً «هرمجدونية» في المنطقة وقد يُطلق شرارة حرب عالمية.

«إقتحام» الولايات المتحدة مشهد الحرب في المنطقة سيُغيّر ميزان القوى ويفتح الباب أمام سيناريوات عسكرية مُرعبة، حيث تدفع فيها القوى المتصارعة قوّاتها البرمائيّة والبحرية والجوّية، ووحدات الصواريخ التابعة لها في سير المعارك. تعمد واشنطن منذ فترة إلى توزيع قوّاتها على مساحات شاسعة في الجزر الفيليبينية واليابانية ضمن وحدات متفرّقة لكي لا تكون مكشوفة وعرضة للاستهداف، فيما ستعتمد بحريّتها تكتيكات مناورة معقّدة لتلافي إصابتها بالصواريخ الصينية المتنوّعة. كما ستؤدّي «غوّاصاتها النووية» دوراً بارزاً في استهداف البحرية الصينية وقوّاتها المُهاجمة ومنصّات صواريخها، إذا لزم الأمر.

أصدرت الصين بعد انطلاق مناوراتها تحذيراً شديد اللهجة للإستقلاليين في تايوان، متوعّدةً إيّاهم بتحطيم رؤوسهم وسفك دمائهم، في وقت يتخوّف فيه الخبراء من تدهور الأوضاع بشكل دراماتيكي نحو استخدام أسلحة نووية، ولو تكتيكية وفي ساحة المعركة فحسب، ومن تحوّل المياه في مضيق تايوان ومحيط الجزيرة إلى اللون الأحمر في أي «مواجهة مفتوحة» بين واشنطن وبكين، اللتين ستتكبّدان خسائر فادحة في العتاد والأرواح، خصوصاً الصين التي ستنتهج سياسة تقضي بإرسال «أفواج إنتحارية» متتالية للسيطرة على تايوان، محذّرين من أن المعمورة بأسرها ستقف على «شفير الهاوية» وسيدفع الاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً لاندلاع مثل هذه الحرب.