جوزيف ستيغليتز

أين تعثّرت الحوكمة العالمية... وكيف يمكن إصلاحها؟

14 حزيران 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

لم تستقرّ الحوكمة العالمية يوماً، وهي تواجه مصاعب كبرى في الفترة الأخيرة. يؤمن الجميع بنظام مبنيّ على قواعد واضحة، لكنهم يريدون فرض القواعد التي يفضّلونها ولا يحبّذون تلك التي لا تفيدهم، فيعتبرونها انتهاكاً لسيادتهم وحريتهم. تتعدّد التناقضات العميقة في هذا المجال، إذ لا تكتفي البلدان القوية بفرض القواعد فحسب، بل إنها تنتهكها عند الحاجة، ما يطرح سؤالاً بديهياً: هل نملك نظاماً مبنياً على القواعد أصلاً، أم أنه مجرّد واجهة ظاهرية؟ في ظروف مماثلة، يقول منتهكو القواعد إنهم يتصرفون بهذا الشكل لأنّ الآخرين ينتهكون النظام أيضاً.



داخل البلدان الديموقراطية، غالباً ما يكون دور السلطة في تحديد القوانين وفرضها مبهماً. نعرف مثلاً أن مظاهر اللامساواة في الثروات والمداخيل تتحوّل إلى لامساواة في السلطة السياسية، ما يسمح بمعرفة الأطراف التي تتولّى تصميم القواعد وتُحدّد طريقة تنفيذها. كذلك، يعني اختلال توازن السلطة أن يُحدّد الأقوياء داخل البلد القواعد بطرقٍ تفيدهم وعلى حساب الضعفاء في معظم الأوقات.

مع ذلك، يحتّم السياق الديموقراطي التحقّق من أداء السلطة من وقتٍ إلى آخر، كما حصل عند تمرير قوانين مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة، خلال الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، أو عند إقرار «قانون فاغنر» في حقبة «الاتفاق الجديد» خلال الثلاثينات لمنح العمال صلاحيات إضافية.

في السياق الدولي، تبدو السلطة أكثر تَرَكُّزاً والقوى الديموقراطية أكثر ضعفاً. يتّضح هذا الواقع في أحداث السنوات القليلة الماضية. كانت الولايات المتحدة طرفاً محورياً في تصميم نظام القواعد المعمول بها. لكن عندما بدت تلك القواعد غير مناسبة، كتلك المرتبطة بدعم الصناعة، قرّرت تجاهلها وهي تعرف أن كلّ البلدان الأخرى لا تستطيع التحرّك لتغيير الوضع.

تكرّرت مظاهر اختلال توازن السلطة مراراً في السنوات الأخيرة. تعرّضت بلدان متقدّمة للهجوم عندما حاولت تنفيذ السياسات الصناعية مثلاً. كذلك، تعرّضت إندونيسيا للهجوم حين سعت إلى إبقاء جزء آخر من القيمة المضافة المرتبطة برواسب النيكل الغنية داخل إندونيسيا.

الأسوأ من ذلك هو رفض طلب أكثر من مئة بلد بالتنازل عن الملكية الفكرية المرتبطة بلقاحات «كوفيد». نتيجةً لذلك، انتشرت مظاهر الفصل العنصري في طريقة توزيع اللقاحات، فاستحوذت البلدان المتقدّمة على كلّ الكميات التي تريدها وحُرِمت البلدان النامية من الوصول إليها، ما أدّى إلى وفاة آلاف الناس ودخول عشرات الآلاف إلى المستشفيات بلا مبرر في الدول الأكثر فقراً.

لا تُعتبر هذه المسائل بسيطة بالنسبة إلى سكان العالم، لا سيما في البلدان النامية والأسواق الناشئة، كما أنها مسائل مؤثرة في المجال الجيوسياسي والجغرافيا الاقتصادية. كانت القواعد النيوليبرالية التي تمنع تقديم الدعم الحكومي تعني فعلياً عجز البلدان النامية عن مواكبة الدول المتقدمة. لقد جعلتها القواعد المعمول بها محكومة بالتحول إلى مُنتِجة للسلع، تزامناً مع حفظ الإنتاج الذي يحمل أعلى قيمة مضافة للدول المتقدمة.

يجب أن يفهم الجميع أيضاً أن رفض الالتزام بالقواعد يترافق مع عواقب جيوسياسية. بدأت الولايات المتحدة والبلدان المتقدمة تخسر الدعم بسبب عدد من أهم المسائل التي تتطلّب مستوىً من التعاون العالمي، بما في ذلك التغير المناخي، والصحة العالمية، وحلّ الصراع في أوكرانيا، فضلاً عن معركة واشنطن الظاهرية لنشر الديموقراطية وفرض هيمنتها في وجه الصين.

قد يقرر الجنوب العالمي أن يعيد القواعد الدولية إلى مسارها الصحيح مجدداً. عندما كانت الولايات المتحدة القوة الطاغية، لطالما استطاعت القيام بكل ما تريده، لكن بدأ نفوذها يتزعزع اليوم. طرحت بكين بنى تحتية أكثر من الولايات المتحدة، وبدت الصين وروسيا أكثر سخاءً في توفير اللقاحات في أولى مراحل جائحة «كورونا».

طلبت واشنطن من البلدان النامية أن تفتح أبوابها للشركات المتعددة الجنسيات التابعة لها. لكن عندما طلبت تلك البلدان من الشركات الغنية أن تدفع الضرائب التي تدين بها، لم تدعم الولايات المتحدة ذلك القرار: أنتجت الإصلاحات الحاصلة بموجب مبادرة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عائدات ضئيلة للدول الأكثر فقراً، وطُلِب من البلدان النامية في المقابل أن تتخلى عن الضرائب الرقمية. وحين طلب الاتحاد الأفريقي تغيير مكان النقاش المرتبط بإصلاح نظام الضرائب العالمي ونقله إلى الأمم المتحدة، لم تكتفِ الولايات المتحدة بمعارضة ذلك الاقتراح، بل حاولت إجبار الآخرين على القيام بالمثل. في تشرين الثاني الماضي، خسرت الولايات المتحدة التصويت بغالبية ساحقة في الأمم المتحدة.

ما هو مصير الحوكمة العالمية إذاً؟ في ظل غياب أي قواعد حقيقية، لا مفرّ من أن تطغى شريعة الغاب. قد تفوز الولايات المتحدة في تلك المعركة، لكنها ستخسر في الوقت نفسه التعاون الذي تحتاج إليه في مجموعة كبيرة من المجالات. ستكون الجهة الخاسرة إذاً بشكل عام.

لهذه الأسباب، من مصلحة الولايات المتحدة أن تتخلّى عن النظام المبنيّ على القواعد ومصالح الشركات وتسعى إلى طرح مجموعة من القواعد الأساسية التي تعكس بعض المصالح المشتركة. بدل إبرام نُسَخ شاملة من اتفاقات التجارة الحرّة، مثل الشراكة العابرة للمحيط الهادئ (كانت عبارة عن اتفاقات تجارية مدروسة لا تخدم إلّا مصالح شركات الأدوية الكبرى وعدد من أبرز الملوّثين)، يُفترض أن تعقد الولايات المتحدة اتفاقات محدودة، فتُبرِم مثلاً اتفاقاً صديقاً للبيئة لتقاسم المعلومات والتكنولوجيا، ودعم الغابات المستدامة، والتعاون لإنقاذ كوكب الأرض.

تبرز الحاجة اليوم إلى اتفاقات تهدف إلى تضييق الخناق على البلدان الكبرى لأن تصرّفاتها قد تؤذي الاقتصاد العالمي، بدل التضييق على البلدان الصغيرة التي تتخذ خطوات تخلو من عواقب عالمية حقيقية. نحتاج مثلاً إلى قواعد لمنع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من استعمال السياسة النقدية بطرقٍ تفيد اقتصاداتهم على حساب الآخرين، وهو نهج استعملته واشنطن مراراً. حتى الولايات المتحدة بدأت تعترف اليوم بأن الاتفاقات الاستثمارية التي تسمح للشركات بمقاضاة الدول (مثل الفصل 11 من «اتفاقية التجارة الحرّة لأميركا الشمالية» (نافتا)) تَحِدّ من نطاق السيادة من دون تحقيق المنافع المنشودة. كان التخلي عن الفصل 11 الاختلاف المحوري بين «نافتا» والاتفاق التجاري المبرم بعدها. لكن يُفترض أن تتخذ الولايات المتحدة خطوات أخرى، فتزيد قدرة أي طرف حكومي على مقاضاة الشركات عند انتهاك بنود الاتفاق.

لاستمالة الناس في هذه الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، يجب أن تذهب واشنطن أبعد من ذلك، فتستعمل الأموال التي تملكها مثلاً لمساعدة الفقراء وتستغلّ نفوذها لفرض قواعد منصفة. تتّضح هذه الحاجات أولاً في أزمة الديون التي تواجهها الولايات المتحدة راهناً وتداعيات الجائحة الأخيرة، علماً أن العالم سيواجه أزمات وبائية أخرى من هذا النوع مستقبلاً.

وبما أن معظم عقود الديون السيادية تُكتَب في الولايات المتحدة، تملك واشنطن صلاحية تغيير الإطار القانوني الذي يحكم تلك العقود بطرقٍ تضمن تسريع حل الأزمات وتحسينها حين تعجز الدول عن تسديد مستحقاتها. قد تسمح هذه المقاربة بحلّ مشكلة التحرّك بعد فوات الأوان في كلّ الأزمات المتلاحقة، وهي أزمة تجتاح العالم منذ فترة طويلة. مع عودة دائنين آخرين إلى الواجهة، بدأ حل مشكلة الديون يزداد صعوبة أكثر من أي وقت مضى. تتعدّد الاقتراحات البارزة أمام الهيئة التشريعية في نيويورك (حيث تُجمَع معظم المبالغ المالية)، لكن سيكون دعم إدارة جو بايدن لهذه المبادرات بالغ الأهمية.

تعامل العالم للتو مع جائحة مريعة، وقد بدأ العمل على معاهدة مقترحة للاستعداد لجائحة أخرى في ظل زيادة التوقعات المرتبطة بظهور أوبئة مستقبلية. لكن بسبب نفوذ شركات الأدوية الكبرى، لا تشمل المعاهدة للأسف أي بنود على صلة بالتنازل عن حقوق الملكية الفكرية، وهو بند أصبح العالم بأمسّ الحاجة إليه. كذلك، لا وجود لأي بند خاص بنقل التكنولوجيا لتوفير كلّ المنتجات اللازمة لمحاربة الأمراض المقبلة (معدات واقية، لقاحات، علاجات).

تبقى حرية العيش من أهم الحريات التي نملكها في الحياة. لكن لم تسمح اتفاقاتنا العالمية يوماً بالتوفيق بين حرياتنا بالطرق المناسبة. قد تستفيد كلّ البلدان من تحسين الاتفاقات العالمية، مع أنها لا تشمل جميع الشعوب بالضرورة: تَحِدّ هذه الاتفاقات من نفوذ المستغلّين وتُضعِف قدرتهم على استغلال الآخرين، ما يعني البدء بتحقيق أهدافها النهائية، لكنها تفيد المجتمع أيضاً على نطاق أوسع.

من مصلحة الولايات المتحدة إذاً أن تنشأ اتفاقات عالمية منصفة وسخيّة للفقراء، شرط أن تراعي أيضاً الظروف الجيوسياسية الجديدة. لم تستفد واشنطن يوماً من تطبيق أجندة عالمية قائمة على تحقيق مصالح الجهات النافذة، حتى في الحقبة التي فرضت فيها هيمنتها على العالم، ولن تستفيد من تلك المقاربة طبعاً في الظروف المستجدة اليوم.

MISS 3