"وردة الذهب" عن "منشورات المتوسط"، كتاب شعري صدر هذا العام في طبعته الاولى وفيه مجموعة مختارة من قصائد الشاعر الراحل أنسي الحاج أعدّته ندى أنسي الحاج، بالتعاون مع "مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون" التي دعت الشاعرة للاحتفال بالكتاب وتوقيعه ضمن فعاليات "رِواق الأدب والكتاب" في "معرض أبو ظبي الدولي للكتاب 2024".
كان للمناسبة وقعها في حينه وللكتاب جماليته ايضاً في عالم الحاج الشعري وإن هو لا يحمل جديداً سوى أنه يجمع بين طيّاته أجمل القصائد وأرقّها: وقفات شعريّة للحاج هي الأقرب إلى عالمه الغرائبي أولاً في قصائد من "ماضي الأيام الآتية"، ثمّ الحالم المجنون والشاعري المتفوّق في قصائد من "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"، ومن "ماذا صنعتَ بالذهب ماذا فعلت بالوردة"، وصولاً الى كتاباته في مرحلة سنواته الاخيرة حيث التزم الصمت عشر سنوات اعتراضاً منه على انطلاق شرارة الحرب، ثم كتب بعدها من وجع ومن ألم وخيبة.
كتاب للتذكير
يضيف "وردة الذهب" على كتب ومؤلفات أنسي الحاج بعض تذكّر لمن عاصرهُ وقرأه وهو أيضاً بمثابة اكتشاف مسار شاعر لقارئ عربي من الجيل الجديد، إذ من غير اللائق كما من غير المسموح ألا يتعرّف أبناء الجيل الطالع على الروائع الشعرية الحديثة والمعاصرة، كما من غير العادل ألا يستمتعوا بقصائد كبار رحلوا وبعضهم لا زال بيننا. فجيل الإنترنت الذي لم يعد يمسك بكتاب ورقي، قد يستهويه مثلاً كتاب فيه الصفوة، وقد يختصر عالم شاعر كبير في صفحات قليلة هي النخبة هي الذروة:
"كلُّ قصيدةٍ هي بداية الشعر
كلُّ حبّ هو بداية السماء
تجذَّري فيَّ انا الريح
اجعليني تراباً"...
ومن "ماذا صنعت بالذهب... ماذا فعلت بالوردة":
" قولوا هذا موعدي، وامنحوني الوقت.
سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا.
اصبروا عليَّ، لأجمع نثري.
زيارتكم عاجلة، وسفري طويل
نظركم خاطف، وورقي مبعثر...".
وإذا كانت أولى كتابات أنسي الحاج في "لن" (صدر في طبعتهِ الأولى سنة 1960 عن دار مجلة "شعر") و"الرأس المقطوع" (الطبعة الأولى سنة 1963) قد جاءت صادمة في عنوانيْن غرائبيَّين وغير مألوفيْن، فهي كانت البداية لقصيدة عربيّة نثريّة وجديدة كسرَت المألوف وبنَت لمعايير شعريّة تحرَّرت من القافية والأوزان والموروث، نحو جماليات طلعت من الرفض والهدم إلى لغة حرّة ساحرة متمرّدة ومتناغمة في إيقاعاتها الجديدة، وذلك قبل أن يلتزم بقضيته في بُعدها الصوفي لأرقى المشاعر الأنسانية فكان "شاعر الحب" بامتياز. وفي "وردة الذهب" اختارت ندى الحاج قصائد والدها في الحب، الذي هو جسر عبور للمؤلف إلى فلسفة وروحانية ومحاكاة مع الخالق:
"هلمّي يا ليّنتي وقاسِيتي
يا وجه وجوه المرأة الواحدة
يا خرافة هذياني
يا سلطانة الخيال وفريسته
يا مسابقة الشعور والعدد
هلمّي إلى الثواني المختلجة نسرقُ ما ليس لأحدٍ سوانا
وهْمُكِ أطيب من الحياة وسرابكِ أقوى من الموت".
اللافت في الكتاب الأصفر، وهو لون الشاعر المفضّل، اكتفاء الابنة معدّة الكتاب، ببعض قصائد حملتْ طابعاً موحّداً، ما جعلهُ ممتعاًَ إلى أقصى حد، لأنه يعيد إلينا شيئاً من شاعر عظيم عاش بيننا سنوات بل لحظات من هذا القرن، من دون أن ندركه تماماً ورحل ليصير في ذاكرتنا واحداً من أولئك الشعراء الكبار الذين تركوا على الارض بعضاً من "كلمات كلمات كلمات"... اليوم نتذكّره عبر كلمات هذا الكتاب، أليس هو من كتب: "أحبّ ذكرى الأيام التي ستجيء... تلك الأيام الحاضرة".

* "وردة الذهب" : أنسي الحاج، إعداد ندى أنسي الحاج، "منشورات المتوسط"، ميلانو، إيطاليا. مئة وصفحتان (102) من القطع الوسط.
تجربة فريدة كتب أنسي الحاج ذات يوم "إن الشعراء يعيشون أكثر من الأحياء ويموتون أكثر من الموتى". ومن دون أدنى شك إنّ تجربته في الحياة كما في الشعر كانت فريدة، فهو كتب طوال حياته ببراءة الاكتشافات الأولى، بعيداً من خبرة المعلّم التي اكتسبها في مجال الكتابة في الصحف ومسؤولياته في رئاسة التحرير (في "النهار" اليومية) لسنوات طويلة. كان الشعر بالنسبة له مغامرات طازجة وبريئة، وإن لم تحمل قصائده دائماً البراءة في مضامينها. فنصوصه جاءت عارية وخجولة في آن، سهلة وصعبة، مُمتعة وتزرعُ الشك والخوف والقلق في نفس القارئ إذ إنه شرّع أبوابها للأعاصير والرياح الهوجاء. |