عرف الشعر في لبنان وفي العالم العربي، زمنًا ذهبيًّا، فكانت القصيدة، نظمًا وإلقاءً، أكثر من فن أدبيّ. كان الشعر حدثًا اجتماعيًا، ومنبرًا سياسيًا، ومرآةً للهوية والوجدان الجماعي. كانت القصائد تُحفظ عن ظهر قلب، من تلميذ المدرسة إلى طالب الجامعة مرورًا بطائفةٍ من عامّة الناس. كانوا جميعهم يتداولون أبيات الشعر كما تُتداول الأخبار في العشيّات، وكان الجمهور يُصغي إلى الشعراء كَمَن يُصغي إلى صانعي الرأي، وكان للشعراء مريدوهم ينضوون في "حزب الشاعر فلان" ويتآلفون "أنصارًا للشاعر علّان".
اليوم، في زمن السرعة والمنصّات الرقميّة وتغيّر أنماط التلقي، يبدو الشعر وكأنه تراجع خطوة إلى الخلف، وصارت أبياته متأرجحة بين نخبوية ضيّقة ومحاولات متعثرة لاستعادة الحضور، وداووين بالكاد تُولد على ورق، وإن طُبعت يبقى معظمها على رفوف المكتبات إذا لم يقدّمها صاحبها هدايا للعائلة والأصدقاء. رغم ذلك، يبقى الشعر حاجةً إنسانيّة لا تُلغى: فكلّما ضاق الواقع واتسع الضجيج، ازداد الناس بحثًا عن كلمة صادقة ومعنى عميق. وجمهور الشعر لم ينتهِ، ولئن صار أقلّ عددًا لكنه ربّما أصبح أكثر عمقًا.
يرى الشاعر شوقي بزيع أن "الشعر لن يفقد جمهوره أبدًا، لكن هذا الجمهور يتغيّر ويتحوّل بين عصرٍ وآخر. ففي العصور القديمة كان الشعر يقوم بأدوارٍ متعددةٍ، سياسيةٍ وإيديولوجيةٍ وقبليةٍ، وكان يعبّر عن حال الجماعة وهمومها وأفراحها وحروبها وسِلمها. أما اليوم، فقدرته على التغيير بطيئة لكن عميقة في الوجدان والإنسانية". ويتابع بزيع في حديثه مع "نداء الوطن": "ربما خسر الشعر جزءًا من جمهوره، لكنني لا أرى في ذلك ضررًا عليه، بل أراه في مصلحته، لأن الشعر عاد إلى مكانه الحقيقي، وصار لغة الذين يحسنون سماعه والتفاعل معه بعمق. عاد الشعر يلامس قضايا الإنسان الكبرى: الحياة والموت والحرية والحب، وما يتصل بمعنى الوجود".
الشعر جمال وفرح
يرى بزيع: أن "الحقيقة حمّالة أوجه، وهذا ينطبق على وسائل التواصل أيضًا، التي تحوّلت إلى ساحةٍ واسعةٍ للكتابة، وامتلأت بملايين النصوص، ومن خلالها وجد مَن لم يكن لصوته منبر، لكن في المقابل، هناك طفيليّون ودخلاء، إلا أن الزمن كفيلٌ بإسقاطهم سريعًا".
نسأله عن اللغة في الشعر وهل من علاقة بينها وبين استدامة حضور الشعر والشاعر في زمننا، فيجيب: "المحكيّة ليست نقيض الفصحى بل تكملها، فالفصحى لغة الأدب والكتابة، والمحكية لغة العفوية واليومية، ولدينا محكيّات عالية لكبار تضاهي الفصحى جمالًا، مثل الرحابنة وسعيد عقل وطلال حيدر". ويختم شوقي بزيع قائلًا: "الشعر لم يعد يُسقط حكومات، لكنه يحفر ببطءٍ وعمقٍ في الوجدان، ويزيد منسوب الجمال والفرح، وهو ردٌّ رمزيٌّ على فكرة الموت، لأن الشاعر يلامس الخلود عندما يكتب".
تغيّر طقس التلقي
"لم يغب جمهور القصيدة، بل تشعّب وتشكّل في هيئات جديدة، ولم يعد الجمهور جسدًا واحدًا يصغي إلى صوت واحد في ساحة عامة، بل صار أضواءً متفرقة تشعّ في غرف التواصل الافتراضية وشاشات الهواتف"، يقول الشاعر والإعلامي زاهي وهبي لـ "نداء الوطن"، ويتابع: "تغيّر طقس التلقي، فبعد أن كان احتفاءً جماعيًّا هادئًا، صار تفاعلًا فرديًّا سريعًا بين زحام المنصات، وأصبحت القصيدة تتنافس على لقمة الانتباه في مأدبة عالميّة صاخبة. مع ذلك أشكر الله أن الأمسيات الشعرية ما تزال تستقطب جمهورًا واسعًا، لأن لا غنى ولا بديل عن اللقاء الإنساني المباشر".
الشعر و "السوشيال ميديا"
يرى وهبي من جهة أخرى، أن "منصّات "السوشيال ميديا" أعطت الشعر نافذة ذهبية يطلّ منها على آلاف العيون في لمح البصر، وفتحت للومضات الشعرية وقصائد التغريدة آفاقًا غير مسبوقة، لكن في المقابل غيّرت ميزان القيمة. فبين الإعجاب الفوري والمشاركة العابرة قد يُختزل عمق القصيدة إلى مجرّد مشهد يمرّ مرور السحاب، وصار الهمّ: كيف تلمع في الثانية الأولى، لا كيف ترسخ في الذاكرة إلى الأبد".
نسأله إن كان توصيفه للواقع الشعري في زمننا ينطبق على القصيدة العاميّة وتلك المكتوبة بالعربيّة الفصحى، فيجيب: "القصيدة العاميّة تمتلك دفة القرب، لأنها تنزل إلى السوق والشارع بلغتهما، فتلامس الوجدان من أقرب المداخل. أما الفصحى فهي رحلة إلى الداخل وتتطلب من القارئ أن يصعد إليها بعض الدرجات". ويوضح: "تراجع حضورها ليس عيبًا في اللغة، بل انعكاس لغياب المقامات التي تُسمع فيها، بعدما ضمر المجال العام الذي كانت تتنفس فيه، وصارت تُرى كضيف فخم في مناسبات رسمية لا أكثر". ويضيف وهبي: "لا أعتقد أن القصيدة فقدت مجدها الوجداني العميق، لكنني لا أعارض أن تأتي بثوب معاصر لا يُخفي سحر الجسد القديم. كما لا أنفي أهمية المهرجانات الشعرية، لكنها ليست سوى مواسم للحصاد، أما الزرع الحقيقي فينبغي أن يكون في حقل التعليم والإعلام وثقافة المجتمع اليوميّة".
لغة العصر وقيمة الشعر
ويؤكّد الشاعر زاهي وهبي حاجة الشعر إلى سفراء جدد من المثقفين والإعلاميّين "يتحدثون بلغة العصر عن قيمة الشعر، لا حنينًا إليه بل تأكيدًا لمكانته وضرورته. فحضور الشعر في إعلامنا موسميّ ونخبويّ، والبرامج التقليدية تحافظ على الشعلة لكنها قلّما تشعل حرائق جديدة". ويتابع قائلًا: "صنع الجمهور صار فعلًا ذاتيًّا على "يوتيوب" و "إنستغرام"، حيث يبني الشاعر عالمه بقلمه وصوته وصورته. فالإعلام التقليديّ يحفظ الذاكرة الرسميّة للشعر، أما ذاكرته الحيّة فتُكتب في المكان الآخر".
في الخلاصة، بالنسبة لوهبي "ما زالت القصيدة تؤثر، لكن تأثيرها تراكمي غير آني، ولم تعد منبر الجماهير، بل صارت إبرة خياطة دقيقة تخيط جرح الروح الفرديّة في صمت، كعزف منفرد يخترق الضجيج ويستقر في الأعماق". وهو في ديوانه الجديد "تُروّض الريح تُبكيها أغنية" يقود حوارًا "بين هموم الوجود اليومي، من العدوان الإسرائيلي وضغوط الأزمة الاقتصادية إلى التشتت الرقمي وتحديات الذكاء الاصطناعي، وبين صوت داخلي يبحث عن البساطة والجمال، فبالنسبة لي الشعر كالماء في الطبيعة، يغيّر مجراه وفق تضاريس العصر، والتحدي هو كيف نحفظ للينبوع صفاءه وسط هذا الصخب، وكيف نجعل للمطر صوتًا يعلو فوق كل الأصوات".
فخ السهولة
الشاعر الشاب ماهر يمّين لا يعتقد أن وظيفة الشعر قد تغيّرت، "فهو لا يزال مساحة للتأمّل والوعي مثل كل الفنون، وفي داخل أيّ شخص شاعر ومنصت للشعر. مهما كان وضعه العلميّ أو المادي، سيكتشف أنه يلامسه ويُحاكيه".
يتوقف يمّين في حديثه مع "نداء الوطن" عند الانتشار السريع في زمن مواقع التواصل، فيقول: "سهولة النشر وسرعة الانتشار قد تكونان فخًّا للشاعر، لأن التسرّع قد يدفعه إلى نشر قصائد لم تتخمّر بعد، وأنا شخصيًّا وقعت في ذلك. فالقصيدة تحتاج وقتًا كي تنضج، لكن أيضًا عندما نشارك القصائد مع القرّاء والشعراء ونسمع آراءهم، نصبح أكثر قدرة على النقد الذاتي، ونعود لنحفر في القصيدة ونتحدى أنفسنا أكثر، لأن مرآتنا الحقيقية في الشعر هي القرّاء".
يضيف ماهر نجل الشاعر المعروف الراحل جورج يمّين: "فتحت "السوشيال ميديا" الباب أمام مواهب جديدة كانت خجولة أو بلا وسيلة للوصول، فوجدت متنفسًا وتفاعلًا، لكن فتح الباب للجميع لا يعني أن الجميع شعراء". ويلخص يمّين الواقع الحالي بالقول: "جمهور الشعر اليوم متعطّش لتجربة حقيقية تهز الكيان وتعيد الحب للشعر من جديد، بعيدًا من المظاهر والادعاءات"، لافتًا إلى أن "هذا الفن لا يمكن وضعه بمنافسة أيّ فن آخر، لأن عالمه خاص ومختلف".
باقٍ ما بقيت الشمس
أنطوان خليل شاعر شاب آخر سألته "نداء الوطن" عن مكان الشعر اليوم ومكانته، وعن الشعراء وجمهور القصيدة، فأكّد لـ "نداء الوطن" أن "الشعر موجود ما دامت الشمس موجودة. مهما تبدّلت الأذواق عبر الأزمنة قد يتراجع الاهتمام بفن ما أو يتضاعف، لكن الشعر يبقى حاضرًا دومًا بقوّة، وأنا منسجم مع كلّ ما في الوجود عبر الشعر، أمّا المنعزل عن الشعر والفن عمومًا، فهو الغريب الذي لم يدرك بعد أن الحياة ليست في ما تجنيه الأيدي والجيوب فقط، بل في ما يجنيه العقل والرّوح غذاءً أبديًّا".
يتابع خليل: "أصدقائي، خصوصًا البعيدين من مجال الأدب والفنّ، يتحمّسون لسماع بعض قصائدي وأحيانًا يحفظون أجزاء منها ويردّدونها، لأنهم يسمعون كلامًا لا يمكن لغير الشاعر أن يُجيدَه، وهذا دليل على أن كلّ إنسان يمتلك ذوقًا فنيًّا دفينًا وميلًا طبيعيًّا إلى كلّ ما هو جميل". ويلفت حامل "جائزة عصام العبدالله للشعر المحكي" لسنة 2023، إلى أن "حين تكون الموهبة متجذرة في المرء، تهبه ثقة وتميّزًا وإشعاعًا، فيفرض لنفسه مكانة مرموقة وقيمة مثلى لِمَا يقدّمه، حتى يغدو مغناطيسًا لأبناء جيله يشدّهم نحو فنه ويقرّبهم منه"، ويتابع: "الشاعر بحذاقته يقرّب الشعر من جيل الشباب، ويفتش عن الوسائل الأكثر ارتباطًا بالعصر، كتسجيل القصيدة بالصّوت أو اللّجوء إلى الأدب الرقميّ والوسائل التكنولوجيّة، لكن الوسيلة لا ينبغي أن تتحكّم بالشاعر، ومن يخضع لِمَا يطلبه الناس من فن هابط تكون قد زلّت قَدَمُه وسقط في هاوية سحيقة". ويختم الشاعر أنطوان خليل بملاحظة أن "قد يأتي نفرٌ قليلٌ ليستمتع بأمسية شعريّة، وهذه القلّة راقية ونخبويّة بامتياز، لكن الأزمة حقيقيّة للأسف، والناس صاروا ماديّين واستهلاكيّين، فقد ابتلعتهم الهواتف والأراكيل و "الترندات" الفارغة".
في الكيمياء: "لا شيء يضيع، لا شيء يُكتسب، كل شيء يتحوّل"، والشعر بدوره لا يبدو ميتًا بقدر ما يبدو متحوّلًا. تراجعت الهالة، لكن القصيدة ما زالت تُكتب، وإن تغيّر جمهورها ووسائطها. لعلّ التحدّي اليوم ليس في استعادة الماضي، بل في قدرة الشعر على ابتكار حضوره الجديد، من دون أن يفقد جوهره.



