طوني عطية

الكيلومترات المحروقة... إسرائيل تقضم الشريط الحدودي وتتوغّل فوق الركام

5 دقائق للقراءة

مع عبور "طوفان الأقصى" غلاف غزّة والردّ الإسرائيلي بغزو شامل على القطاع في السابع من تشرين الأول 2023، تدحرجت الجبهة اللبنانية في اليوم التالي، من معارك مضبوطة الإيقاع بين طرفي الصراع، إلى حربٍ كاملة المواصفات، تخطّت عبرها إسرائيل كل الحدود والخطوط الحمراء، لا سيما بعد عمليتي تفجير "البايجر" والأجهزة اللاسلكية وصولاً إلى اغتيال السيّد حسن نصرالله ومعظم قادة الصفّ الأوّل.



وفي سباق تقليديّ بين صنويّ الحرب والدبلوماسية، لترتيب أوضاع جديدة بناءً على قرارات قديمة محفوظة في خزائن "ناظر" الأمم المتحدة أي مجلس الأمن كالـ"1559" والـ"1701" الذي أنهى حرباً في العام 2006 ولم يقفل بابها، أو انتظار ما سيتمخّض عن التطورات الميدانية التي فرضتها إسرائيل قبل أسبوعين، بدفع قوّاتها العسكرية المحدودة حتى الآن داخل الحدود اللبنانية للمرّة الأولى منذ 18 عاماً، إضافة إلى إنزالات "أفيخاي أدرعي" البيانية على مدن وبلدات محافظتي النبطية والجنوب، تطالب سكّانها بالإخلاء، قبل بدء الغارات الجوية الاسرائيلية والمدفعية.



فيما يواصل الجيش الإسرائيلي تطبيق "خطّة الجنرالات" في قطاع غزّة، تتمحور التساؤلات حول خطّة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه لبنان وما إذا كانت شهيته ستكتفي بتطبيق القرارين 1701 و1559، أم أن طموحه يتخطّاهما نحو هندسات جديدة، وما هي حدود عملياته العسكرية البريّة. وإلى أن يفضح الميدان خبايا رئيس الوزراء الاسرائيلي، تحقق القوات الإسرائيلية اختراقات في بعض المناطق فيما تقوم بتوسعة محاور القتال مع "حزب الله". في هذا السياق، نقلت شبكة الـ"سي أن أن" عن مسؤول أميركي قوله، "إن هناك اعتقاداً أميركيّاً بأن العملية لن تُشبه حرب 2006 التي استمرت 34 يوماً، بل نسخة مخففة بشكل كبير منها ومما كان مخططاً له مسبقاً". وأشار المسؤول إلى قلق أميركي من أن يتحول هذا التوغل المحدود إلى عملية أكبر على المدى البعيد، وهذه المخاوف كانت أيضاً مثار مناقشات بالفعل مع الجانب الإسرائيلي.


الشريط المحروق 

تقسم منطقة جنوب لبنان إلى شمال الليطاني وجنوبه الذي ينقسم بدوره إلى ثلاثة قطاعات: الغربي، يمتدّ من الناقورة مروراً بعلما الشعب، يارين، الضهيرة، البستان، مروحين وصولاً إلى رامية. يجاوره القطاع الأوسط، فيضمّ معظم قرى قضاء بنت جبيل، بدءاً من عيتا الشعب، القوزح، رميش، دبل، عين إبل، وصولاً إلى يارون وعيترون وعيناتا ومارون الراس وغيرها من القرى. ويُعدّ هذا القطاع الأكثر كثافة من الناحية السكّانية (قبل الحرب). أمّا القطاع الشرقي فيبدأ من ميس الجبل وحولا ومركبا والعديسة وصولاً إلى قرى مرجعيون ومنطقتي كفرشوبا وشبعا في حاصبيا.

حتّى الآن، تتقدّم القوات البرية الإسرائيلية في القطاعات الثلاثة بعمق يتراوح بين صفر و5 كيلومترات، حيث تدور الإشتباكات وترتفع حدّتها في مناطق عسكرية استراتيجية، تُعدّ الخطّ الدفاعي الأول لـ"حزب الله" وتشمل بلدات وقرى أُفرغت من سكانها على مراحل طيلة الأشهر الفائتة، أبرزها: الناقورة، علما الشعب، يارين، الضهيرة، اللبّونة، البستان، رامية، القوزح وعيتا الشعب التي دخلها الإسرائيليون أمس، ورفعوا "علم إسرائيل" فوق خزّان المياه وصولاً إلى يارون، بنت جيبل، عيترون، ميس الجبل، العديسة، مركبا، كفركلا ورب ثلاثين. وبات هذا الشريط المدمّر بنسبة كبيرة جدّاً، يخضع للسيطرة الإسرائيلية شبه الكاملة، من دون إغفال استمرار القتال والمواجهات بين عناصر "حزب الله" والجنود الإسرائيليين في أكثر من جبهة وبلدة.



وبدا أنّ محاور التوغّل الإسرائيلي، باتت أوسع بعد أسبوعين على بدء العملية البرية التي أطلقها الجيش الإسرائيلي، وتشمل نحو 7 نقاط، هي الناقورة ورامية وعيتا الشعب بالقطاع الغربي، ويارون ومارون الراس بالقطاع الأوسط، وبليدا وميس الجبل - محيبيب في القطاع الشرقي، بعد التراجع في عمليات على محور العديسة وكفركلا. وتشير الوقائع الميدانية إلى أنّ التوغل الإسرائيلي يصل إلى 700 متر في بعض النقاط، داخل الأراضي اللبنانية.

ويركّز الجيش الإسرائيلي في ضرباته وخروقاته البريّة الخاطفة والموقّتة على أسلحة ومخازن "حزب الله" المضادة للدروع كصواريخ "كورنيت" الروسية و"ألماس" الإيرانية، إضافة إلى مراكز "الحزب" القتالية المموّهة فوق الأرض وتحتها في الأنفاق. وتجدر الإشارة، إلى أنّه ليس من الواضح ما إذا كانت  القوات الإسرائيلية تتمركز في مواقع المعارك بعد إنهاء عملياتها، أم أنها تنسحب إلى قواعدها. 


توغّل على طول الحدود

في إطار استكمال مراحل التوغل البري على جميع المحاور الحدودية، دفع الجيش الإسرائيلي بفرقة عسكرية خامسة بدأت تشارك في العمليات البرية في جنوب لبنان. وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن "الفرقة 210 شرعت بتنفيذ عمليات برية محدودة في مزارع شبعا، على طول القطاع الشرقي للحدود مع لبنان". ومع هذه التحركات، تكون القوات الإسرائيلية قد أطلقت عملياتها العسكرية البرية على طول كامل المنطقة الحدودية مع لبنان، بمسافة تصل إلى حوالى 100 كيلومتر. في هذا السياق، ذكرت مصادر "رويترز" أن إسرائيل عملت على إزالة ألغام أرضية في منطقة الجولان، وأقامت حواجز جديدة على الحدود بين هضبة الجولان والشريط المنزوع السلاح. وتشير هذه الخطوة إلى أن إسرائيل ربما تسعى للمرّة الأولى لاستهداف أهداف لـ"حزب الله" من مسافة أبعد نحو الشرق، بينما تعمل على إنشاء منطقة آمنة تتيح لها القيام بعمليات مراقبة عسكرية لتحركات الجماعات المسلحة ومنع التسلّل". كما ذكرت المصادر أن إسرائيل "تحرّك السياج الفاصل نحو الجانب السوري وتقوم بأعمال حفر لإنشاء مزيد من التحصينات في المنطقة". وأضافت "رويترز" أنه حين استُفسر الجيش الإسرائيلي عن إزالة الألغام، اكتفى بالقول إنه "لا يعلّق على خطط العمليات" وإنه "يقاتل حالياً منظمة "حزب الله" لتمكين سكان الشمال من العودة إلى منازلهم بأمان".