سامر زريق

يحيى السنوار: صنع التاريخ بـ"طوفان" غيّر وجه المنطقة... وقضى عليه

4 دقائق للقراءة

بسرعة الصاروخ، شق يحيى السنوار طريقه نحو قمة القيادة في هرمية حركة حماس، حيث تحول خلال سنوات قليلة من معتقل سابق في السجون الإسرائيلية، خرج ضمن صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011، الى الرجل الأقوى في تنظيم حديدي يعتمد الشورى لإظهار مسحة من الديمقراطية.

هندس الانتخابات الداخلية وأقصى معارضيه وعلى رأسهم إسماعيل هنية، وحول دفة حماس بالكامل للتحالف مع ملالي طهران. فبدأت رحلة السقوط فيما كان يظنه صعوداً نحو قمة المجد.


كانت أحداث "الشيخ جراح" في القدس وما أعقبها من معركة، ممراً إلزامياً للشهرة عربياً وإسلامياً. استلهم سيرة "حليفه المستجد" حسن نصر الله، في الخطابة والسلوك والتخفي، وفي طرائق تخطيط حزبه لعمليات نوعية.



توج رحلة صعوده بعملية "طوفان الأقصى" التي حولته الى أسطورة جماهيرية بعدما حطم الغرور الإسرائيلي، حسب السردية الرائجة في العالمين العربي والإسلامي، نتيجة الجهد الترويجي الهائل للأذرع الإعلامية الممانعة، والتي تشمل وسائل التواصل الاجتماعي عبر جيش الناشطين.



"طوفان الأقصى" رفع يحيى السنوار "أبو إبراهيم" الى مراتب متدرجة من القداسة، فصار واحداً من الصحابة المباركين. ثم ترقى بعد انتخابه في آب الماضي رئيساً للمكتب السياسي لحماس ليصبح نبياً، كونه يحمل اسم نبيّ، ويتكنّى باسم نبيّ أطلقه على بِكْرِه، أما صنيعه فهو محل نظر وتدقيق.



ذلك أن الطوفان غيّر وجه المنطقة، فصارت غزة ركاماً من دم وأحلام دفنت مع أصحابها، وأعيد احتلالها من جديد، وحرم بقية أهلها من أبسط شرايين الحياة، فاستحال الموت كالحياة بالنسبة اليهم، وسط عملية نزوح لا تتوقف، الى أن ييأس الغزاويون، ويهجروا أرضهم طوعاً "مُكرهين".



بيد أن كل ذلك لم يكن يعني شيئاً للسنوار الذي اشتهر منذ شبابه بقسوته الشديدة، وانتشر صيته في بدايات عمر التنظيم، بملاحقة العملاء وتصفيتهم، حتى ولو كان على سبيل الشبهة. ضاعفت سنوات الاعتقال من قسوته، وأكسبته عقلاً تخطيطياً ماكراً، معززاً باللغة العبرية، وعادات المجتمع الإسرائيلي، وطرائق تفكيره.



ترجم هذه القسوة المغلّظة بعملية انتخابه بالإجماع رئيساً للمكتب السياسي خلفاً لإسماعيل هنية بعدما اغتالته إسرائيل في قلب حصن إيراني، على طريقة الأنظمة والأحزاب الشمولية، بما يعكس مدى سطوته وجبروته. هذا الجبروت المعبر عنه ببرودة مدهشة إزاء شلالات الدم المسفوك من أبناء الشعب الفلسطيني، بل وطلبه المزيد منها على قاعدة أنه كلما زاد حجم الدماء، تضاعفت مظلومية حماس، وزادت أوراقها السياسية قوة على طاولة المفاوضات.



لكن شيئاً من ذلك لم يحصل، وسقطت هذه المعادلة ومعها معادلات كثيرة. ذلك أن الطوفان مثّل فعلاً قيامياً في إسرائيل، و "11 سبتمبر" جديداً في أميركا والدول الأوروبية الداعمة لها. هذه الصورة القيامية منحت رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، فرصة استثنائية، فطفق يضرب إيران وأذرعها يمنة ويسرة، وبدأ محور الممانعة يتهاوى، ولا سيما حزب الله "درة تاج" المشروع الإيراني، الذي ضربه الطوفان بشكل لم يكن أحد يتخيله، فخسر أمينه العام، وأركان حربه، والهالة التي أنفق عقوداً في صنعها. ودفع معه الشعب اللبناني رغماً عنه فاتورة دم وخراب لا تزال مفتوحة.



طال الطوفان الذي صنعه السنوار سوريا واليمن، وحتى إيران نفسها، التي دفعها سوء التقدير الى الظن بأنه سيقودها الى فرض حكمها على المنطقة، فإذا به يعري ضعفها، ويجعلها تستجدي السلام في المحافل العالمية، مرفقاً بتنازلات مؤلمة على أجساد قادة حرسها الثوري الذين قتلوا في لبنان وسوريا.



وفي النهاية قضى الطوفان على صانعه بمصادفة قدرية لا بعملية استخباراتية، فسقط ويده على الزناد، في مشهد يختصر الحرب كلها برمزيات مكثفة سياسياً واستراتيجياً ودينياً واجتماعياً: مقاتل من القرون الوسطى، يقاتل من قلب بيته وأرضه بسلاح فردي ينتمي الى الحرب العالمية الأولى، قوة مدججة بالتكنولوجيا والذكاء الصناعي ضيقت عليه الهوامش فخرّ صريعاً.



يغادر السنوار مسرح الحياة بعدما شهد تداعي حلم حماس في التحول الى قوة إقليمية تصعد بين العرب والسنة على رماح ملالي إيران، دون أن تتاح له رؤية النتيجة النهائية لما صنعه بيديه. لكنه باقٍ في كتاب التاريخ، حيث يتنازعه المؤرخون بين من يرى أنه مجنون أقدم على حماقة استراتيجية، وبين من يرى أنه أسطورة حطم سطوة إسرائيل وجبروتها، وانتهت حياته كما تمنى. وبين هذا وذاك نواصل نحن حصد نتائج طوفانه.