سامر زريق

صك الإذعان الأميركي ونظيره اللبناني

4 دقائق للقراءة
عنصران ملثّمان من "حزب الله"

بالتوازي مع الزيارة الأخيرة للموفد الأميركي آموس هوكستين إلى بيروت، كثرت الأحاديث الصادرة من الدائرة المقرّبة من رئيس البرلمان نبيه بري، ومن حاشية "حزب اللّه"، عن اعتبار لائحة التعديلات على القرار 1701 التي حملها معه الموفد الأميركي بمثابة "صك إذعان" أو "استسلام".


والحال أن هذه المطالب المستقاة من وثيقة الشروط التي قدّمتها إسرائيل للإدارة الأميركية، حسبما كشف موقع "أكسيوس" الأميركي، تتضمّن الكثير من الخروقات للسيادة اللبنانية، وخصوصاً طلب إسرائيل السماح لها بحرية العمل في الجنوب، واستخدام المجال الجوّي اللبناني. ولذلك، سارعت بعض القوى السيادية، المعارضة لـ"حزب اللّه" وهيمنته، إلى رفض هذه الخروقات.



بيد أنّ توصيف هذه الشروط الإسرائيلية بـ"صك الإذعان" أو "الاستسلام" يقودنا إلى السؤال التالي: وماذا عن فرض "حزب اللّه" شروطه في الداخل اللبناني لسنوات وسنوات؟ ألا تعدّ أيضاً "وثائق إذعان" فُرضت قسراً، أسهمت في تقويض العملية السياسية وتجميد مفاعيل الديمقراطية في البلاد؟


بماذا يمكن توصيف الدعوة إلى طاولة حوار بين القوى السياسية ذات التمثيل البرلماني حول رئاسة الجمهورية، يدخله الثنائي الشيعي متمسّكاً بمرشحه؟ ألم يكن المطلوب من القوى السيادية والمعارضة وما بينهما التوقيع على "وثيقة إذعان" تفضي إلى القبول بمرشح الثنائي؟


بماذا يمكن توصيف عملية تجفيف مفاعيل الانتخابات النيابية عام 2022، من خلال إقفال البرلمان ومنعه من الانعقاد للقيام بوظيفته الأساسية في حالة الشغور الرئاسي، من أجل إرغام القوى المعارضة لـ"حزب اللّه" على القبول بمرشحه؟



ما بين "الوعد الصادق" 2006 و"حرب الإسناد" 2023، أصدر "حزب اللّه" الكثير من "صكوك الإذعان" و"وثائق الاستسلام" التي فرضها بوهج سلاحه وفائض انتصاراته، لكنه كان يعتبرها تجسيداً للوطنية وفقهها وأدبياتها وفق تفسيراته وتأويلاته.


لكن، تبقى أكثر "وثائق الإذعان" هذه تأثيراً وشهرة في العقدين الأخيرين هي الأولى، والمتمثلة بـ"مؤتمر الدوحة" في أيار 2008، حينما سيقت قوى الأكثرية الديمقراطية تحت ضغط مفاعيل "غزوة 7 أيار"، من أجل التوقيع على منح الحزب حق النقض الـ"فيتو" ضمن بنية النظام اللبناني ومؤسساته الشرعية. تلك الوثيقة المشؤومة لم تكن لتبصر "الشرعية" لولا مظلة دعم إقليمي ودولي حصل عليها "حزب اللّه"، فيما يَصِمُ معارضيه بالخيانة اليوم لأنهم يرتكزون في مطالبهم "الدولتية"، على المظلة نفسها التي خسر الحزب غالبية أركانها، باستثناء إيران طبعاً.



وهي التي طوّبته مذاك مرشداً للجمهورية اللبنانية، فراح يصدر "وثائق الإذعان" الواحدة تلو الأخرى، من انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً وسطياً للجمهورية، في الوقت الذي كانت تمتلك فيه قوى 14 آذار الأكثرية النيابية، إلى تشكيل أولى حكومات الوحدة الوطنية برئاسة فؤاد السنيورة.



وكرّت من بعدها سبحة "صكوك الإذعان" المقدسة التي أرهقت وكبّلت كل الاستحقاقات الدستورية في لبنان، من تأجيل الانتخابات النيابية 5 سنوات بسبب انهماك الحزب بالحرب في سوريا، إلى فرض انتخاب حليفه ميشال عون رئيساً للجمهورية بعد تعطيل دام سنتين، الى خلق بدع وأعراف في عملية تشكيل الحكومات من أجل فرض نفسه ضابطاً للإيقاع وراعياً للتوازنات.



ومع ذلك، فإن ما يعدّه "حزب اللّه" "وثيقة إذعان" ليست الأولى التي تطلب منه. لكن الفرق يكمن في المزاج المُصاحب لها، والمكاسب المتأتّية منها. فقد كان مذاق واحدة حديثة العهد رائقاً، والمتمثلة باتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، التي ألبسها رداءً وطنياً لم يفلح في ستر "إذعانه" لمطالب إسرائيل وتنازله لها عن كيلومترات ثمينة وثرية.



ترى بماذا يشعر "حزب اللّه" اليوم وهو يطالع "وثائق الإذعان"؟ هذا الشعور هو الشعور نفسه الذي فرضه على القوى السياسية المعارضة له، وعلى شريحة واسعة من النخب والجماهير، وعلى لبنان بأسره لسنوات طويلة. إنه شعور بالمرارة المطعّمة بدماء الضحايا الغزيرة. ليته يعتبر.