مايا الخوري

أطفالنا مضطربون وقلقون...

حدّثوهم عن الموت ولا تكبتوا مشاعرهم

5 دقائق للقراءة

يختبر أطفال لبنان تجارب مؤلمة جداً في الحرب أفقدتهم أمانهم المادي والنفسي. أصوات الموت والدمار تؤرق نومهم، وصور أعزاء تأطّرت بالسواد تطلق العنان لمخيّلاتهم الصغيرة عن الموت.

شعور عميق بالحزن والفقدان والقلق، أكبر من أن يواجهه الطفل وحيداً من دون مساندة ومرافقة ودعم لاجتياز المرحلة بالطريقة الصحيحة. فكيف نفسّر مفهوم الموت وهل يجوز مشاركة الأطفال بطقوس الحداد والوداع؟


يفترض أهلٌ أن طفلهم أصغر من أن يطّلع على ماهية الموت، لكنّ علم النفس يتبع أسلوب المصارحة في المواضيع كافة، سواء كانت الحقيقة صعبة أو جميلة. إنما يختلف الأسلوب بحسب سنّ الطفل ومرحلة نموّه.


اذاً، يحق للطفل معرفة الحقيقة حول الموت خصوصاً إذا كان المتوّفى متصلاً صلة قريبة به، أمّا إذا كانت صلة الوصل بعيدة، أي لا ينتمي إلى محيط الطفل، فالأفضل تخفيف القلق وعدم إشراكه بالحدث المؤلم.

وتشير الاختصاصية النفسية والمعالجة النفسية جودي أسعد، إلى أهمية إخبار الطفل عن فقدان الشخص العزيز لحظة الحدث، لأنه يراقب دائماً تعابير وجه المحيطين به ويحسّ بهم، لذلك فإن إشراكه بالحدث يساهم في مشاطرتهم المشاعر في حينها. وتقول رداً على سؤال حول كيفية تفسير مفهوم الموت: "يختلف وفق سنّ الطفل، لأن مرحلة النمو أي قدرة استيعاب عقله متفاوتة في هذا الإطار، ولكن إذا أردنا التحدث إليه عن الموت فيجب اتباع 3 خطوات:


- أولاً، التأكيد أن فقدان شخص ما يعني عدم قدرته على العودة إلى الحياة ورؤيته مجدداً.

- ثانياً، شرح الموت على أنه من ضمن دورة الحياة التي تمرّ بها الكائنات الحيّة، ويمكننا في هذا الإطار إعطاء أمثلة عن النبات والحيوان، وفق سنّ الطفل وقدرته الاستيعابية.

- ثالثاً، مراقبة ملامح وجه الطفل وكيفية تعبيره عن مشاعره في تلك اللحظة، وطمأنته إلى أن أحاسيسه طبيعية. ومن المهمّ أيضاً إشعاره بالاطمئنان والثقة وتعزيز قدرته على طرح الأسئلة والاستفسار بحرية".


يستعين بعض الأهل بتشبيه الموت بالنوم والسفر، فما رأيك بذلك؟ تجيب أسعد: "يفهم الطفل النوم على أنه يُتبع بالاستيقاظ، والسفر بالعودة، وهذا المنطق يخلق أملاً كبيراً لدى الطفل الذي سينتظر هذه العودة طويلاً خصوصاً إذا كان الفقيد عزيزاً ما ينعكس اضطرابات وقلقاً كبيراً لديه".


وتشدد على ضرورة تأمين كل الأجوبة للطفل الفضولي بطبعه، فتكون أحياناً الأسئلة بسيطة تؤدي أجوبتها إلى الحقيقة، وأحياناً أخرى صعبة قد لا يجد لها الأهل الأجوبة الوافية، فأنصحهم أن يقولوا للطفل بأنهم لا يعرفون الجواب، فهذا الأمر يعزز الثقة بين الأهل والطفل. وعن عوارض الحزن والخوف بسبب فقدان عزيز، تقول: "لا يمكن كبت مشاعر القلق والخوف والحزن لدى الأطفال، وتكون عوارضها كثيرة منها: اضطرابات في النوم، اضطرابات في الشهية، قلّة حركة أو ازدياد فيها. تصرفات مبالغة، أحياناً عنيفة. الخوف من أمور كثيرة وبسيطة أحياناً. الانطواء الذاتي، التبوّل اللاإرادي، الخوف من الوحدة". وتضيف: "عندما يلحظ الأهل تأثير هذه المشاعر في حياته وفي عرقلة يومياته، وعدم القدرة على السيطرة ومساندته في هذه المرحلة، عندها يُفضّل اللجوء إلى اختصاصي نفسي".



نصائح منزلية

وتشدد على ضرورة مراقبة الطفل في فترة الحداد والانتباه إلى ظهور أي عارض من العوارض المذكورة سابقاً، وتفهّم ما يعيشه وعدم الاستخفاف بمشاعره، داعيةً إلى إتباع هذه النصائح في المنزل:

- التشجيع على التعبير عن مشاعر القلق والخوف من دون الاستخفاف بها، ومشاركته مشاعر خوفنا وقلقنا.

- تأمين مكان آمن قدر الإمكان يناسب عمر الطفل والحدّ من النشرات الإخبارية الأمنية والأحاديث السلبية في حضوره.

- إبقاء لعبته المفضلة إلى جانبه لأنها تساهم في تهدئته.

- الحفاظ على الروتين في المنزل، لأنه يخفف عن الطفل ويشعره بالأمان. وفي حال النزوح إلى مكان آخر أو إلى منزل غريب، فنستطيع ابتكار روتين جديد مشابه لما هو معتاد عليه ليشعر بالأمان، وليشعر الأهل بدورهم بالسيطرة على شيء معيّن في حياتهم.

- ابتكار نشاطات تعبيرية يستمتع بها الطفل، كالرسم والرقص والغناء، وثمة جمعيات كثيرة ناشطة في هذا الإطار في مراكز الإيواء.

- ومن المهم محافظة الأهل على هدوئهم في ظل هذه الظروف وتفهّم المشاعر القويّة التي يختبرها الطفل.

في المقابل، هناك من يتباهى بالموت ويعتزّ به أمام أطفاله، فما انعكاس ذلك على استقرارهم النفسي؟ تجيب: "يختبر أطفال كثيرون حالياً هذا التناقض في الأحاسيس ما بين الشعور بالفرح والبهجة في محيطهم المرتبط مباشرة بهم، والشعور بالحزن لأن المستشهد لم يعد موجوداً في يومياتهم، وهم يفتقدونه ويشتاقون إليه. لذا علينا كراشدين أن نفسح في المجال أمام الأطفال للحداد على فقدان الأشخاص الأعزّاء والتعبير عن مشاعر الحزن بكل حرية".  


ما انعكاس التباهي بالموت والاعتزاز بالشهادة أمام الأطفال؟



يختبر أطفال كثيرون حالياً هذا التناقض في الأحاسيس ما بين الشعور بالفرح والبهجة في محيطهم المرتبط مباشرة بهم تجاه فقدان شخص ما، وشعورهم الشخصي بالحزن لأن الفقيد لم يعد موجوداً في يومياتهم، وهم يفتقدونه ويشتاقون إليه. لذا علينا كراشدين أن نفسح في المجال أمام الأطفال للحداد على فقدان الأشخاص الأعزّاء والتعبير عن مشاعر الحزن بكل حرية.