لم تكن مفاجئة إقالة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوزير دفاعه يوآف غالانت الثلثاء، إذ كانت كلّ المؤشّرات في الآونة الأخيرة تؤكد أن نتنياهو على قاب قوسين أو أدنى من إطاحة غالانت والتخلّص من "عبء ثقيل" ومزعج بالنسبة إليه داخل حكومته، بعدما أخفق رئيس الوزراء في المحاولة الأولى لإقالته العام الماضي بسبب التحرّك القوي للشارع آنذاك ضدّ الخطوة، فاغتنم هذه المرّة "الفرصة السانحة" وانتهج "الثأر البارد".
ومنذ المحاولة الأولى للاقالة، لم تعد العلاقات بين الرجلَين إلى سابق عهدها واستمرّت المشاحنات بينهما مع دخول حرب غزة عامها الثاني. وسرّبت "أجواء" مفترضة عن أن غالات في طريقه لترك منصبه، لكنّه رفض الرحيل وظلّ "شوكة" في خاصرة نتنياهو ودافع عن اتفاق إطلاق سراح الرهائن في غزة ودخل في مناوشات مع أحزاب أخرى في الإئتلاف الحاكم في شأن تجنيد اليهود المتديّنين في الجيش.
ولحظة إقالته ليل الثلثاء، خرج متظاهرون معارضون غاضبون إلى الشوارع حيث أغلقوا طرقاً سريعة، فيما رأى غالانت في بيان بثه التلفزيون أن إسرائيل تسير عبر ضباب المعركة و"ظلام أخلاقي"، داعياً إلى إعادة الرهائن وإلى سنّ قانون لتجنيد اليهود المتديّنين وتشكيل لجنة للتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023. وشدّد على أن "أمن دولة إسرائيل كان وسيظلّ دائماً مهمّتي في الحياة"، منهياً بيانه بإلقاء التحية العسكرية.
وتسبّب توقيت الإقالة في انتقادات شديدة، خصوصاً من أحزاب المعارضة، في ظلّ مشاركة إسرائيل في حرب متعدّدة الجبهات ضدّ "حماس" في غزة و"حزب الله" في لبنان وأذرع طهران في اليمن وسوريا والعراق، وربّما مع إيران نفسها. وعلى الرغم من تبنّي غالانت موقفاً متشدّداً في ما يتعلّق بمحاربة "حماس" والذهاب إلى حدّ وصفه أعداء إسرائيل بأنهم "حيوانات بشرية"، إلّا أنّه مع استمرار الحرب، بدا أكثر استعداداً لإنهاء القتال من نتنياهو، وتفاعل بشكل أكثر ايجابية مع عائلات الرهائن، بحيث اعتبر قبل أسابيع أن الوقت حان للتوصّل إلى اتفاق لإعادة الرهائن إلى إسرائيل.
وتوسّع الشرخ بينه وبين نتنياهو خصوصاً مع رفض غالانت تمسّك رئيس الوزراء بتحقيق "نصر حاسم" على حماس، ووصف ذلك بأنه "هراء" وحضّه مراراً على وضع خطّة لإدارة غزة بعد الحرب، فضلاً عن رفضه أي اقتراح ببقاء الجيش الإسرائيلي قوّة احتلال، وهو ما أثار غضب وزيرَي المال بتسلئيل سموتريتش والأمن الوطني إيتمار بن غفير اللذَين عبّرا عن رغبتهما في إعادة استيطان غزة.
وتعود التوترات بين غالانت ونتنياهو إلى منتصف العام الماضي، عندما انقسمت إسرائيل في شأن مساعي نتنياهو للحدّ من صلاحيات المحكمة العليا، إذ نُظّمت احتجاجات أسبوعية ضخمة ضدّ الخطوة التي اعتبرها منتقدون اعتداء على الديمقراطية. ومع تصاعد الاحتجاجات، تمايز غالانت عن نتنياهو وأعلن رفضه لهذه المساعي، معتبراً أنها تتسبّب في انقسامات اجتماعية عميقة لدرجة أنها تُعرّض الأمن القومي للخطر.
ويواجه نتنياهو وغالانت احتمال صدور مذكرتَي اعتقال دولية بحقّهما في ما يتعلّق بحرب غزة، وذلك في أعقاب طلب من المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في أيار. وتسبّب احتمال صدور مذكّرتَي اعتقال لنتنياهو وغالانت بغضب في الدولة العبرية، لكنّ قضية تحديد المسؤوليات عن الإخفاقات العسكرية والأمنية الهائلة التي أدّت إلى هجوم 7 أكتوبر، كانت وراء الكثير من التوتر في الساحة السياسية الداخلية منذ ذلك الحين.
بعد مسيرة دامت 35 عاماً داخل المؤسّسة العسكرية، بدأها في وحدة قوات خاصة بحرية، ترقّى غالانت إلى رتبة جنرال واتجه إلى العمل السياسي قبل 10 أعوام، وأصبح وزيراً للدفاع في حكومة نتنياهو التي شكّلها في نهاية عام 2022. ويحظى غالانت باحترام كبير من جانب الإدارة الأميركية وحلفاء إسرائيل الآخرين. ولم يشعر بالارتياح قط في عالم "الصراعات الحزبية"، بل كان يُفضّل التعاطي مع ضباط الجيش وجنوده، علماً أنّه في حزب "الليكود" بزعامة رئيس الوزراء.
وعيّن نتنياهو وزير الخارجية يسرائيل كاتس وزيراً للدفاع بدلاً من غالانت، في حين عيّن جدعون ساعر وزيراً للخارجية خلفاً لكاتس. فمَن هو وزير الدفاع الجديد؟ وُلد كاتس عام 1955 في مدينة عسقلان الساحلية والتحق بالجيش عام 1973 وخدم في صفوف قوات المظلّات قبل أن يترك الخدمة عام 1977. ولم يشغل كاتس أي منصب قيادي كبير في الجيش الإسرائيلي، على عكس سلفه. وكاتس عضو في "الليكود" كما أنه عضو في "الكنيست" منذ عام 1998، وشغل عدّة مناصب وزارية خلال العقدَين الماضيَين، منها وزير الزراعة والنقل والاستخبارات والمال والطاقة، وعُيّن وزيراً للخارجية في عام 2019.