زياد الصائغ

لبنان بين "النيكروبوليتيكس" وحروب الآلهة!

3 دقائق للقراءة
إسرائيل وإيران تقتاتان سوياً من أشلاءِ الشّعب اللّبناني (رويترز)

تراجيديا الكينونة، ضحيَّة ورهينَة في الوَقتِ عينِه، تُفسِحُ في المجالِ لأقصى درجاتِ الانسِياقِ إلى تظهير الحقائق، من دون تدويرِ زوايا أو التِباسات. لُبنَان يواجِهُ عدواناً واستِباحَة للدَّولة في الوَقتِ عينِه. مجالُ المُفاضَلَة بين رُكني هذه المُعادَلَة مستحيل. التَّضامُن الوطني يفترِضُ حِكمَةً في احتِضانِ الوَجَع، وجُرأة في رَفضِ الدوغماتيَّات المؤدلجة عسكريّاً، والمنغمسة في تبنّي أجندَةٍ عابِرَة للحُدُود. اللحظة التاريخيّة تحتّم قول كلّ الحقيقة، لا شِبهَها.


في موازاةِ التراجيديا، يتبدَّى جليّاً أنَّ لبنان، وبِقَدر افتِقادِه مناعَةً دستوريّة سياديّة، ترقى إلى التموضُع في مُربَّع الحوكمة السَّليمة والمواطنة الحاضِنة للتنوُّع، يتبدَّى جليّاً أنَّه يَدْفَعُ ثَمَنَ لَعنَة، أبعَدَ من تِلك التي تحكيها الجُغرافيا، لَعنَة الحركيَّة الجيو-سياسيَّة في الصِّراع على مواقِع النُّفُوذ في الشرق الأَوسَط، والتي تورَّط بها فريقٌ لبنانيّ بتبرير شِعاراتٍ فضفاضة.


الترَّاجيديا واللَّعنة تزُجَّان بلُبنان في مِحوَر "النيكروبوليتيكس" (سياسة الجُثَث)، وحروبِ الآلِهة، في ما يُخالِفُ جيناتِه التأسيسيَّة القائِمة على أنَّهُ رسالَةُ حريَّة، وديموقراطيَّة، وتعدُّديَّة، وسَلامٍ، وأُخُوَّةٍ إنسانيَّة. زجُّ لُبنَان في هذا المحور خطيئَةٌ تاريخيَّة، إذ يكمُن في هذه الأخيرة إصرارٌ على تغيير الهُويَّة اللُّبنانيَّة، بما تكتنِزُه من ميزاتٍ تفاضُليَّة في لبيراليَّة اتِّساقها مع مداها العربيّ الحيويّ من ناحِيَة، وامتِدادها الاستراتيجيّ في العالم الحرّ من ناحِيَةٍ أخرى. الإتِّساق والإمتِدادُ هذان، وعلى المعطوبيَّة المفاهيميَّة التي تحمِل كلتيهما، في حِقبَة ازدواجيَّة معايير حقوق الإنسان والقانون الدَّولي، يبقيان بُوصلَة مؤسِّسة في ما نُريدُهُ للُبنَان اليَومِ التَّالي، بعد توقُّف الصِّراع بين أذرُع العسكريتاريَّات المؤدلجة دينيّاً. إسرائيل وإيران تقتاتان سويًّا من أشلاءِ الشَّعب اللُّبناني، بفِعلِ توهُّم بعضٍ في هذا الأخيرِ، أنَّهُ يؤدّي مهمَّة إلهيَّة بتداعياتٍ إسكاتولوجيَّة خَلَاصِيَّة، في حينِ أنَّ الواقِع يشي بانتِهاجِ خيارٍ إنتحاريّ يقضي تدريجيّاً على مُندَرَجات العقدِ الإجتِماعيّ الذي يَجمَعُ المواطِناتِ والمواطنين اللُّبنانييّن تحت سَقفِ الدُّستور، وسيادة الدَّولة الحرَّة والعادلة والمستقِلَّة.


في هذا السِّياق المأزوم، وعلى الرغمِ من كُلِّ المآسي التي يُعَايشُها الشَّعب اللُّبناني، ما زالت التَّنظيراتُ الجادَّة في تمجيد "النيكروبوليتيكس"، والتَّهليل لحروبِ الآلِهة، تحتلُّ حيِّزاً إستثنائيًّا في سرديَّة الآن والغد، كما لو أنَّ فِعلَ اقتِحام التَّاريخ يستقي صُدقيَّتَهُ من لُغَةِ البَحثِ عن أعداء، حتَّى من ضِمنِ البَيتِ الواحِد، في فِعلِ انقِلابٍ على بَلوَرة الحقيقَة في ما نحنُ فيه. مَقتَلَةُ هذا الاقتِحام تتمثَّلُ في اعتِبار أنَّ القُوَّة مَصْدَرُ الشرعيَّة، فيما هي الحِكمَةُ وَحدَها تحمي الأوطان بدولةٍ يحكُمُها القانون.


الأفُقُ اللُّبناني، رغم ذلك، يبقى مفتوحاً على الحياة متحدّياً عبقَ الموتِ المُوجِع.



الأفق اللبناني المفتوح على الحياة، لا بدّ فيه من قيادةٍ جديدة، على كلّ المستويات، قيادة لا تأبه إلاّ للخير العام، وتتصدّى للعابثين برسوليّة وطن الأرز.

لَعَنَ الله صِراع جَبَابِرَةٍ يُصادِرون حقيقَتهُ، وأعاد الضالّات والضالّين إلى تواضعٍ وتوبة، فكلّ عودةٍ عن خطيئة فضيلة مضاعفة، شرط أن تكون صادقة. الصدق هنا موجبٌ أخلاقيّ، لا انتهازيّة موقّتة، بفعل اعتبارات موازين القوى واختباراتها.