مكرم رباح

لماذا أنا هنا

3 دقائق للقراءة

مع إعادة انطلاق جريدة "نداء الوطن" أجد نفسي، وبسرور وشرف كبير، من عداد الكتاب الدائمين في طياتها. ولكن التزامي ومقالتي التي سأشاركها معكم كل يوم أربعاء لن تكون كالسنوات التي خلت مجرد محاولات للدخول في جدل أو حتى السفسطة السياسية اللبنانية. بل أرى أن الدور الذي ستلعبه "نداء الوطن" كآخر خط للدفاع عن مفهوم الدولة والسيادة الوطنية محوري في معركتنا المستمرة للخروج من دوامة الهذيان السياسي والعسكري ومحاولة منع الارتطام الكامل لما تبقى من فكرة لبنان كوطن تعددي، ليبرالي، وقابل للحياة لجميع أبنائه.



معركتنا كليبراليين مهووسين بالحرية والديمقراطية منذ عقدين، ولربما منذ الأزل، هي إبقاء صوتنا عالياً في وجه محاولات الطغمة السياسية الفاسدة والجبانة أحياناً لإقناع الشعب اللبناني بأن النظام الزبائني اللبناني بنسخته المتحورة الحالية هو جزء لا يتجزأ من النظام المذهبي والطائفي، الذي بعكس زعمهم، فشل في حماية التعددية و"الأقليات" وجعل من النظام القائم لعنة على قاطنيه. يضاف إلى ذلك الإصرار الدائم للساسة المتحالفين مع "حزب الله" على أن سلاح الحزب الإيراني، الذي ورّط لبنان في حروب إقليمية مستمرة من دخول سوريا للقتال إلى جانب الطاغية بشار الأسد وقتل وتهجير أطفال ونساء سوريا، هو حق مذهبي طبيعي ولو خاطئ.



إن اللحظة التي نعيشها ليست مجرد محطة أخرى في تاريخ أزماتنا، بل هي لحظة تاريخية مصيرية يجب أن نغتنمها كي لا نبقى أسرى دوامة الانقسامات والأجندات الإقليمية. علينا استعادة معنى الدولة من أجل أجيال المستقبل التي تستحق وطناً لا يدفعها للهجرة أو العيش في ظل التهديدات المستمرة.



ومن هنا يأتي هذا المنبر الحر - في هذه المرحلة المفصلية والوجودية للبنان- لإعادة تصويب النقاش نحو القيم الديمقراطية الصحيحة، ليصبح كلامنا الذي ينتقده بعض الأصدقاء والخصوم على أنه متطرف وحاد، هو الكلام الذي يعبّر عن معيار الحكم الرشيد والحوكمة الصالحة. استقلالية القضاء، واحتكار الدولة للسلاح، والعدالة الاجتماعية، والمحاسبة، وقدسية حرية الرأي والتعبير؛ هذه ليست تطرفاً، بل هي جوهر بناء الدولة اللبنانية القادرة.



فالتحدي الحقيقي في المرحلة القادمة لا يتمثل فقط في تطبيق الدستور والقانون اللبناني بالكامل ونزع سلاح "حزب الله" واحتكار الدولة اللبنانية وأجهزتها الشرعية للسيادة. بل أيضا في المطالبة وبنفس الشراسة باستقلالية القضاء وفصل السلطات، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي جعلت من الاغتيال السياسي مقبولاً لدى جزء كبير من الشعب اللبناني وجعلت من انفجار مرفأ بيروت حادث قضاء وقدر.



إن أول خطوة على طريق التغيير تتطلب منا كسر حاجز الخوف الذي فرضته طبقة سياسية وقوى مسلحة هيمنت على حياة اللبنانيين. علينا أن نتكاتف ونقف بوجه التهديدات الصريحة والضمنية التي تستهدف أصوات التغيير. الخوف لم يعد خياراً، بل أصبح وسيلة لاستمرار هذه الأزمات.



حقنا بالحياة على أرض أجدادنا وبكرامتنا مرهون بقدرتنا على خلق حركة سياسية سيادية تؤسس لمرحلة انتقالية طويلة نحو المواطنة والدولة القادرة على حماية كافة أبنائها ضمن إطار تعددي ليبرالي وعلماني، يمنع أمراء الطوائف والميليشيات العابرة للحدود من استبدال دستورنا وقيمنا الاجتماعية بخطاب شعبوي يبدّي القوة على الحق.



في هذه المرحلة المفصلية، نحن مطالبون جميعاً بالتحلي بالشجاعة والأمل. لن تكون رحلتنا نحو التغيير سهلة، لكن إذا ما اتحدت أصواتنا وإراداتنا، فإننا قادرون على تحويل لبنان إلى وطن يستحقه الجميع. أمامنا فرصة حقيقية لصياغة مستقبل جديد، فلنستغلها بلا خوف ولا تردّد.