في جلسات نقاش مع عدد من الأصدقاء المتوافقين في توصيف الحالة السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي جزء كبير من قراءتنا للتجربة التي مرّ بها لبنان، والتي كان معظمنا منخرطًا فيها بصورة أو بأخرى، تظهر أحيانًا تباينات متعددة في النقاش، وهي تباينات طبيعية تعود إلى اختلاف المداخل المعرفية التي ينطلق منها كل واحد منا في قراءة الأحداث وتحليلها.
وغالبًا ما نواجه خلال هذه النقاشات سؤالًا أو مقاربة لا تتوافق تمامًا مع ما نطرحه في المقالات التي ننشرها، وتتركز بصورة عامة حول مفهوم الدولة وكيفية اشتغالها. ويأتي السؤال مباشر ، «ان ما تطرحونه بشأن الدولة جميل ، لكننا نريد أن نرى من يريد تطبيق هذه المفاهيم. لقد أتخمنا من التفسير والتحليل حول مفهوم الدولة وأهمية الالتزام بها، ونعرف أن هناك تجربة ناصعة عاشها لبنان في المرحلة الشهابية، حين بُنيت مؤسسات حقيقية للدولة. فإذا كانت التجربة ممكنة، فلماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ واذا كان السؤال مشروعًا، بل ربما هو السؤال الأهم. الا أن الإجابة عليه تقود إلى مساحة أوسع بكثير من الحديث عن غياب الدولة أو ضعف مؤسساتها. فهي تبدأ من تركيب الكيان اللبناني، ومن تطورات التاريخ السياسي والاجتماعي، ومن القضية الفلسطينية وقيام إسرائيل وما تركه ذلك من أثر مختلف وعميق على لبنان، مرورًا بالتدخلات الخارجية والحروب والعوامل الطائفية والأيديولوجية الداخلية، وصولًا إلى الانهيار الاقتصادي والمالي، والواقع الأمني والسياسي الذي نعيشه اليوم. وكل عنوان من هذه العناوين يحتاج إلى بحث مستقل. لكن العودة إلى السؤال الأساسي يقودنا إلى فكرة تستحق التوقف عندها، ترتكز الى اعتبار المشكلة اللبنانية ليست فقط في غياب الدولة، وإنما في أن الدولة أصبحت أسيرة.
ثمة التباس في استخدام مفهوم «الدولة العميقة». ففي معناه المؤسسي، قد يشير إلى استمرارية أجهزة الدولة وبيروقراطيتها ومؤسساتها، بحيث تستمر الدولة في أداء وظائفها رغم تغير الحكومات والأشخاص. وهذا ليس أمرًا سلبيًا؛ بل هو من علامات الدولة الحديثة.
إن المشكلة تبدأ عندما تتحول المؤسسات الدائمة إلى قوة غير خاضعة للمساءلة السياسية والقانونية، أو عندما تصبح شبكات النفوذ داخل الدولة وخارجها أقوى من المؤسسات نفسها.
فنحن لا نحتاج إلى البحث عن «دولة عميقة» سرية ومجهولة. فالكثير من مراكز النفوذ في لبنان معروفة، والزعامات معروفة، وشبكات المصالح معروفة. المشكلة تكمن في تداخل السلطة الرسمية مع السلطة غير الرسمية، وفي قدرة الزعامات والشبكات السياسية "والحزبية اللبنانية" والطائفية والاقتصادية على التأثير في عمل المؤسسات وتحديد كيفية توزيع مواردها وخدماتها. لذلك ربما يكون المفهوم الأكثر تعبيرًا عن حالتنا اللبنانية، هو الدولة الأسيرة.
فالدولة موجودة، دستور، مؤسسات، وزارات، إدارة، قضاء، أجهزة أمنية، وموارد عامة. لكن قدرتها على ممارسة وظائفها ليست مستقلة تمامًا عن شبكات النفوذ التي اشرنا اليها والتي تحيط بها بشكل اخطبوطي يصعب الفكاك منها. فتتحول الزبائنية الآلية التي تُبقي الدولة أسيرة الحصون الاجتماعية التي يحتمي بها اصحاب الشبكات السياسية والطائفية والحزبية اللبنانية المشار اليها والتي منعت في احيانا كثيرة أي بادرة استطاعت ان تشكل حالات جماهيرية كبيرة، كما حصل عام 2019 من انتفاضة عارمة.
لا تُسرق الدولة في لبنان بقرار واحد، ولا يحتكرها طرف واحد. الأسر هو نتيجة تراكم طويل من الزبائنية والمحاصصة والتوظيف السياسي والوساطة، بحيث تتحول الدولة من مؤسسة تقدم الحقوق إلى مورد توزعه الزعامات. على من يجب عليهم رفض التنفع بالمفرق كي يسرق منه ما حصل عليه بالجملة، فراتب الزبون الذي اعطي بالتنفع، سرق في الانهيار المالي والاقتصادي بسبب سوء الادارة والسرقة العامة. ففي الدولة، يحصل المواطن على الخدمة لأنها حق له. أما في النظام الزبائني، فيحصل عليها لأنه تابع لهذه الجهة أو تلك، وهذا هو جوهر أسر الدولة.
فالزعامة "والحزب اللبناني" وشبكات السياسية والاقتصادية، لا تصبح قوية لأنها تمتلك مشروعًا لبناء الدولة، وإنما لأنها تصبح وسيطًا بينها وبين المواطن. وكلما ضعفت الدولة، ازدادت الحاجة إلى الوسيط، وكلما ازدادت الحاجة إليه، ازدادت قدرته على التحكم.
وربما يبدأ الحل من النقطة التي يجري تجاوزها دائماً وهي فك أسر الدولة من يد آسريها. فالدولة اليوم ليست أسيرة شخص أو حزب واحد، بل أسيرة شبكة من القوى والمصالح التي بنت نفوذها على ضعفها، وجعلت من المواطن المأسور مصدراً لاستمرار قوتها. هؤلاء لا يحتاجون إلى مواطن حرّ يطالب بحقه، بل إلى مواطن يحتاج إليهم للحصول على حقه. لذلك فإن التغيير الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، لأن تغيير الأفراد مع بقاء أدوات الأسر سيعيد إنتاج الممارسة نفسها والنتائج نفسها. يبدأ التغيير عندما تستعيد الدولة قرارها ومؤسساتها وقانونها، وعندما يتحرر المواطن من الحاجة إلى الوسيط الذي يحوّل حقه إلى خدمة. عندها فقط يصبح تغيير الأفراد فعّالاً، لأن القيادات الجديدة ستدخل دولة محررة، لا دولة مضطرة إلى إعادة إنتاج منطق آسريها.
ان هذه المسألة لم تعد نظرية. فلبنان يعيش انهيارًا اقتصاديًا وماليًا ومؤسساتيًا، وفي الوقت نفسه يعيش في قلب حرب تنذر بتفكك لم يحصل ان وصل لبنان الى تخومه كما هو حاصل الآن، وهو يخوض مفاوضات لا تحتاج الى كثير من الشرح لوصف صعوبتها، واثرها على مستقبل لبنان لعهود طويلة. وفي مثل هذه اللحظات تصبح الدولة الأسيرة أكثر كلفة، على الآسرين والمأسورين على السواء. لأن أي تفاوض أو تسوية أو قرار يتعلق بالحرب والسلم والاقتصاد وإعادة بناء البلد يحتاج إلى دولة قادرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
وهنا يصبح الفرق واضحًا بين مفهومين كثيرًا ما نخلط بينهما:
الدولة العميقة، بالمعنى الإيجابي، هي دولة مؤسسات تستمر وتحمي نفسها من تقلب السلطة.
و الدولة الأسيرة الموجودة بمؤسساتها، لكن قرارها الفعلي أصبح رهينة شبكات الزعامة والزبائنية وموازين القوى. ولذلك فإن معركتنا اليوم ليست مع الدولة، ولا مع مؤسساتها، بل مع الذين جعلوا المؤسسات أضعف من نفوذهم، ونحتاج إلى أن نسترد الدولة بحيث لا يعود أحد قادرًا على اسرها وسرقتها وتدميرها دون حساب.