وائل خير

لنوقف النزيف... مسح الدماء لا يكفي

5 دقائق للقراءة

ما من جهد إلا وتلازمه أخطاء بحيث يصح القول "من لا يخطئ هو من لا يعمل". مأساة لبنان والويلات التي انصبّت على بنيه على تباين، منها ما هو واضح ومباشر وآخر خفي ومستتر. غير أن لا علاج لها إلا إن أعدنا تقييم الأحداث واستخلصنا منها العبر. خلاف ذلك يودي بنا، لا محالة، إلى استعادة المآسي حتى استئصال المسيحيين، المكوّن الأكثر تعرضاً للاضطهاد الداخلي وبنفس الوقت، الأكثر إقبالاً على الهجرة إلى بلاد لا يرفض الكثير من قيمها.



غير أن أمام المسيحيين في لبنان خياراً باتوا أكثر ميلاً إلى تبنّيه من أي وقت آخر. نفض المسيحيون عنهم أثواب أوهامهم، وسحبوا من التداول شعارات ضلّلتهم طوال ما يزيد عن القرن. إنها وهم "العيش المشترك" و "لبنان الرسالة."



في اقتصاد الدول السلطوية سعر رسمي شكلي يعلنه الجميع ولا يلتزم به أحد ما لم يجبر، وسعر فعلي لا يصرّح به أحد ويلتزم به الجميع، لعبت الطائفية في لبنان دور السعر الرسمي والسعر الفعلي. ننادي بالعيش المشترك ونمارس عكسه. الأرقام لا تخطئ. الدراسات الحقلية أثبتت أن الزواج المختلط، العبرة منه في زواج أنثى من طائفة، لرجل من طائفة أخرى، يكاد يكون مماثلاً بين المنتمين إلى جمعيات دينية، كالحبل بلا دنس، والأحزاب العلمانية بما فيها تلك المنادية، وبإصرار منذ ما يقرب من القرن، بعلمانية لا هوادة فيها. يكاد يكون التطابق بين الدينيين والعلمانيين تامّاً في أماكن سكنهم، ومصاهراتهم (الزواج المختلط لا يتعدى 0،93) وطرق حياتهم. منذ عقود كنت مشاركاً في لقاء حوار بين الأديان في إطار مجلس كنائس الشرق الأوسط في مقره في راس بيروت. بين الحضور كان هناك شخصان من منطقة المزرعة استفاضا في دفاعهما عن العيش المشترك وأثقلا في انتقادهما "الجبهة اللبنانية" التي كانت تحمل راية الدفاع عن المسيحيين. ولما استطال اللقاء وكادت الشمس أن تغيب، بدا عليهما القلق وأكثرا من تفقّد ساعتيهما بحيث ما إن انفضّ الاجتماع حتى سارعا للعودة إلى منزليهما. أين؟ ليس المزرعة في بيروت الغربية بل في أنطلياس منطقة الانعزاليين المسيحيين. خطر في بالي لو لم يلجمني الأدب، أن أسألهما: من تريدان مني أن أصدق، لسانيكما أم أقدامكما؟



ما من سيئة إلا ولها وجه حسن. من حسنات مأساة لبنان أن مدرسة الأوهام قد انطوت. الأسعار المتداولة من الجميع، بحيث بات السعر الرسمي، هو الانتماء الطائفي بشكل سافر وعلني. من المؤسف أنه يأخذ أحياناً، وربما غالباً، في المؤسسات الإعلامية الشيعية، أشكالاً متطرفة تتراوح بين الشتائم انتهاء بالتهديد بالاستئصال والمطالبة باسترجاع مواطن كانت لهم فيه مصلحة باختياره في وقت ما، قافزين عن مئات سنين انتشرت في تلك البقاع أديان أخرى وتركت فيه آثاراً من كنائس ومزارات، ثم عادت إليها.



يقيني أن هذا التحول وتسمية الأشياء بأسمائها هي أبرز إيجابيات مأساة لبنان. المطلوب الاستمرار بها وأن نحسن توظيفها لاستخراج حل لمعضلة لبنان، وإلّا لاستمرينا في استعادة دورات عنف وحروب لا تتوقف إلا للإعداد لدورات تتجدد إلى ما لا نهاية لها من دمار وهدر دماء وتهجير جماعيّ.



"الخطيئة الاصلية" التي نجني ثمارها اليوم، تعود زمنياً إلى 1920 وذهنياً إلى تبنّي مبدأ "التفوق"، حيث  تحكّمت آنذاك بالقيم السائدة دولياً والتي تنتمي إلى "الداروينية الاجتماعية" القائمة على نظرية "الصراع للبقاء التي تنتهي ببقاء الأفضل"، ليس العيب بهذه النظرية أن أُخذ بها في زمنها، لكن الخطأ الفادح هو الاستمرار بما سحب من التداول واستبدل بنظريات حقوق الانسان التي تنادي بـ "الكرامة الأصيلة والحقوق المتساوية الثابتة في جميع أعضاء الأسرة البشرية"، والتي باتت ملزمة بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول 1948.


طبعاً ليس من العدل إسقاط قيم لاحقة على تلك التي كانت سائدة في أوساط بناة لبنان الكبير. ما زاد في تعقيد الوضع اللبناني انتشار مبدأ "المدى الحيوي" للدول دون الاكتراث بمشيئة المهزومين. لكن الغريب هو ما يراه الباحث من بعد نظر عند القلّة من راسمي حدود لبنان الكبير وعلى رأسهم روبير دو كي الذي حذّر البطريرك الياس الحويك من تكبير لبنان وضم الأراضي والشعوب اليه "ستنشئ بلداً لا يمكن حكمه، أو سيفقد طابعه المسيحي".



لم تنحصر الطامة بضمّ من لم يكن راضياً عن ضمّه إلى لبنان ولم ينكر رفضه سواء بمؤتمرات الساحل، الـ 6 لدى البعض والـ 4 عند آخرين، ومؤتمر وادي الحجير في ربيع 1920، الذي ضم ما يكاد يكون جميع زعماء عشائر الشيعة واقطاعييها ورجال دينهم حيث رفضوا ضمهم إلى غير سوريا.



لا تنحصر العلّة بضمّ من لم يشأ عنوة بل تتعداها إلى ما هو أخطر. المجموعات الدينية التي أرغمت هي امتدادات لمذاهب وأديان تقيم رئاساتها وأصحاب القرار فيها خارج لبنان، في مصر وغيرها من بلاد السنّة، وإيران لدى الشيعة. فما إن تحررت تلك الدول وحلّت بالفلسطينيين نكبتهم وانتشروا في دول الجوار وقيام أنظمة عسكرية واستبدادية انتهاء بالثورة الإيرانية وولاية الفقيه عام 1979، حتى بات لبنان ساحة كل حرب وفتنة.



لا حلّ لمأساة لبنان بالحلول الجزئية من إصلاحات وانتخاب رئيس جمهورية وتأليف مجلس وزراء، بل يكون الحل بالتوجه لوضع حل للعيب البنيوي وإلا لتوالت الأزمات وانفجر العنف وسالت الدماء وكان المسيحيون الضحية الأولى، إذ ستنحصر خياراتهم بذمية العيش، أو الاستئصال أو الهجرة.