نحن شيعة الجنوب في حالة تهجير متوارثة منذ عقود. الثابت أنّ مدننا وقرانا عُرضة للدمار الدائم، الاستثناء أن تجد بيتاً سالماً. لنا في المقابر ناس ماتوا في غير أوانهم. ناس يستحقّون شكلاً آخر من الحياة وموعداً مختلفاً مع الموت. لكننا مصابون بلعنة. لا بل بلعنات. لعنة الجغرافيا التي استغلّها الفلسطينيّ، ولعنة أطماع النظام السوري، ولعنة المشروع الإيراني المؤدلج. اجتمعت جميعها فوق دمنا وركام بيوتنا.
في ستينات القرن الماضي، جعل الفلسطينيّ من الجنوب ساحة للصراع المباشر مع إسرائيل، ومعه انطلقت رحلة أجدادنا وأهالينا مع النزوح والموت والدمار.
تحت عنوان "تحرير فلسطين" أصبح الفلسطينيّ الحاكم بأمره في مدننا وقرانا. مارس جميع أشكال التسلّط على الجنوبيين. أصبحت بيوتنا متراساً للعمل الفلسطيني المسلّح والسياسيّ. السياسيّ؟ نعم السياسيّ، فقد تحوّل العمل الفلسطيني المسلّح إلى ركيزة لتعزيز دور منظمة التحرير في لبنان. لم يعد هدف هذا السلاح تحرير فلسطين بقدر ما أصبح وسيلة لتركيز سلطة منظمة التحرير في بيروت.
بعد خروج منظمة التحرير من بيروت، ورث النظام السوري "الجنوب الساحة" كما ورث الجنوبيون المأساة والمعاناة. شكّل الجنوب ساحة بديلة عن الجولان للمواجهة غير المباشرة بين حافظ الأسد وإسرائيل. مواجهة مدوزنة بدقّة إلّا من عذابات الجنوبيين المفتوحة على أسوأ الاحتمالات. مواجهة تخدم هدفَين محدّدين للنظام السوري: أولاً، تقوية إمساكه بلبنان. ثانياً، تعزيز وضعيته في مفاوضات السلام مع إسرائيل، وفي علاقاته مع المجتمع الدولي.
وجميعنا يتذكّر الهستيريا الجماعية التي أصابت النظام السوري وأتباعه حين أعلنت إسرائيل قرار الانسحاب من جنوب لبنان. مع الانسحاب الإسرائيلي سقطت من يد النظام السوري ورقة "الجنوب الساحة".
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري، لم تتأخر إيران عن أخذ المبادرة في تموز 2006، وتحويل الجنوب مجدّداً إلى "ساحة".
منذ ذلك التاريخ، تُسخّر إيران الدم الشيعي اللبناني في خدمة مشاريعها ونفوذها. بدمائنا تُعزّز موقعها في المفاوضات النووية. وبحياة الآلاف من شبابنا تحمي النظام السوري ونفوذها في اليمن والعراق.
في 8 تشرين الأوّل قرّرت إيران أنّ على شيعة الجنوب أن ينتصروا وحدهم لا شريك لهم "لغزّة" تحت عنوان "وحدة الساحات". وحدة الساحات!!! ما هذا العنوان الفارغ إلّا من دم شيعة لبنان وركام بيوتنا؟
سيسأل سائل أين إسرائيل في كل ما ذكرت؟ كُتب الكثير عن آلة القتل والدمار الإسرائيلية التي فتكت بالجنوبيين، لكن هذا جزء من الحقيقة. الحقيقة المكتملة هي أن الفلسطينيين والنظام السوري وإيران شركاء أساسيون لإسرائيل في هذه الجريمة من خلال تحويل الجنوب إلى ساحة خدمةً لمصالحهم الخاصة التي لا تمتّ إلى مصلحة شيعة الجنوب بصِلة.
لم يعد مقبولاً أن يبقى الجنوب ساحة ودم أهله رخيصاً. الجنوب منطقة جميلة تستحقّ الحياة. ونحن شيعة لبنان، الموت ليس خيارنا، ولا يمكن أن تُرافقه التهنئة والتبريكات. في الموت أقسى مشاعر الحزن والألم التي تصيب الأحياء. أخذ منا هذا الموت أكثر من قدرتنا على التحمّل. لا نستحقّ هذه المجزرة المتوارثة منذ عقود والتي ضربت الأسس المجتمعية والثقافية والقيمية للشيعة. لا يشبهنا هذا السواد الدائم، إرثنا مُلوّن فيه الفكر والأدب والتنوّع والتنافس والحوار والاجتهاد والاختلاف والموسيقى والفرح. هكذا كنّا، وهكذا يجب أن نكون من أجل مستقبل أفضل يستحقّه أطفالنا.