نجاح بو منصف

بعد دويري ولبكي موعد ثالث للبنان مع "الأوسكار"

هكذا سلك "أرزة" طريق "هوليوود"!

9 دقائق للقراءة

في مُرّ الأيام، خبر حلو "يلمع" يعيدنا لحلو أيامنا. فيلم سينمائي لبناني يتأهّب لخوض سباق جوائز "الأوسكار" 2025... نندهش... عالم الفن السابع وأضواء "هوليوود" أين نحن اليوم من ذاك الترف؟ لكن ها هي "أرزة" تعيدنا، ولو بالحلم، إلى ذاك العزّ، وتقول لنا "إيه في أمل".. فما الذي أخذ "أرزة" إلى "هوليوود"؟



اختير فيلم "أرزة"، وقبل فوات الأوان، ليمثّل لبنان في القائمة الأوّلية للمنافسة على جائزة "الأوسكار" لأفضل فيلم أجنبي لعام 2025، حاملاً توقيع المخرجة اللبنانية ميرا شعيب إخراجاً، وكل من فيصل شعيب ولؤي خريش نصّاً.



دراما وكوميديا

الفيلم الروائي الاول للمخرجة الشابة، الذي عُرض في أكثر من مهرجان سينمائي دولي، أرادت منه مخرجته تقديم تحية لبيروت، مدينة التعدّدية والتنوّع.

على مدار 90 دقيقة، وبقالب درامي مطعّم بالكوميديا الخفيفة الملغّمة برسائل مبطّنة، ومشاركة مجموعة رائعة من الممثلين تتقدمهم ديامان بو عبود بدور أرزة، بيتي توتل، فؤاد يمّين، فادي أبي سمرا، إيلي متري، جنيد زين الدين، طارق تميم، وبلال الحموي في دور كنان (ابن أرزة)، يعرض الفيلم واقع لبنان بكل تشعّباته وانقساماته، ليأخذنا الى قصة "أرزة"، أم عزباء تعيش مع شقيقتها وابنها المراهق في بيروت، وتكسب رزقها من توصيل الطعام على الدراجة النارية. وفي أحد الأيام، تُسرق دراجتها النارية، لتبدأ رحلة "أرزة" بحثاً عنها في كل أرجاء بيروت، تسير وتسير، وبيروت دائماً وراءها وأمامها، النجمة المطلقة، بوجهها الحقيقي بلا تجميل لصورتها او تلميع لقصصها.



قصة أرزة لبنان

قصة "أرزة"، من قصة بيروت، ومن قصة أرز لبنان، هكذا تختصرها الممثّلة بيتي توتل، التي تجسّد في الفيلم دور ليلى شقيقة أرزة. وتقول لــ "نداء الوطن": "دوري ليس كوميدياً كما اعتاد عليّ الجمهور، بل هو درامي وأساسي وجميل جدّاً، عشقته، وكان القرار بإسناده إليّ منذ كتابته".



تتوقف توتل مطوّلاً عند خلفيّة قصّة الفيلم ورمزيته "إمراة عزباء تعيش نضالاً يومياً مع شقيقتها وابنها، قصّتها كقصّة الأرزة، رمز لبنان، تواجه أعتى العواصف بصدرها وتبقى صامدة وشامخة، هذه رمزيّة الفيلم، الإرادة التي لا تنكسر، وأهم ما فيه، هي بيروت، هي نجمته، كلّ ما فيه يدور في قلب بيروت بكل تناقضاتها وعبثيّتها، بالمضحك والمبكي، بعشقها للحياة الذي يعلو فوق كل شيء".


تقول بيتّي توتل الكثير وبقناعة مطلقة عن صوابية اختيار "أرزة" لتمثيل لبنان في "الأوسكار" "كلّ مقوّمات نجاح فيلم سينمائي اجتمعت في "أرزة". وراء اختياره يقف أولاً السيناريو الذكي "الأوريجينال" المحبوك بشكل جيد، ثم الإخراج القوي وبراعة التصوير، وأيضاً الأداء التمثيلي الرائع لممثلين أدّوا أدواراً كبيرة وأثبتوا أنهم فعلاً من الصف الأول".



وتسترسل "أجمل ما في هذا الفيلم هو السهل الممتنع، فهو غير مفذلك، شخصياته بسيطة حكاياتهم من حكاياتنا، فيه الكثير من الشاعرية الحلوة، جماله بسلاسته، يدخل الى قلب كل مشاهد، والأهم أنّ كلّ لبناني سيرى في هذا الفيلم وطنه".



وتشير توتل إلى أنّ اختيار أي فيلم لبناني للمشاركة في مهرجان "الأوسكار" "مهمّ جداً أن يتمتّع بمواصفات أقلّها هويّته اللبنانية المطلقة، وأن لا يشبه أي فيلم آخر، أن تكون له رمزيته اللبنانية ورسالته، حتى متى عُرض على جمهور غير لبناني يحبّه ويؤثّر فيه ويتعاطف مع شخصياته حتى لو كان غير معنيّ بأحداثه".



وإنْ كان ثمّة من يأخذ على الفيلم اقتباسه عن الفيلم الإيطالي "سارق الدرّاجة"، توضح الممثلة المخضرمة أنّ هناك "فرقاً كبيراً بين أن يكون السيناريو مقتبساً وبين أن يكون مستوحى. في عالم الفنون والسينما، كتّاب سيناريو عالميون لم ينكروا أنّ بعض أعمالهم مستوحاة من أفلام معيّنة أو مقتبسة عن روايات، فليسمح لي نقّادنا، كل شي برّا يصفّقون له وكل شي شغل إيدينا نكسّر به، نحن في ظروف صعبة جدّاً وليس الوقت للحرتقة على بعضنا".



وبعيداً عن العتب، تخبرنا بيتّي توتل بفرح ما حدث منذ اختيار "أرزة" لمسابقة "الأوسكار": "في 3 أيلول افتُتح العرض الاول للفيلم وانطلق. وكان هناك إقبال كبير جداً، لكن لسوء الحظ بدأت الحرب البشعة، وتوقّف كلّ شيء. إنما مع اختيار لبنان فيلم "أرزة" لخوض مسابقة "الأوسكار" كانت المفاجأة، اذ تهافت الناس مجدداً لمشاهدة الفيلم رغم الظروف و"فوّلت" صالات عرضه."



وبتفاؤل حذر بحظوظ "أرزة" في "الأوسكار"، تختم توتل "في لبنان سرقوا منّا كل شيء حتى الأحلام، فالظروف تعاكسنا دائماً، لكن مجرد مشاركة "أرزة" بجائزة "الأوسكار" فهذا بلا شك مكسب للفيلم وللسينما اللبنانية".



اختيار منصف وذكي

رائع أن يعلو اسم لبنان في ذاك المهرجان الباهر، لكن، نسأل هل يستحق "أرزة" فعلاً تمثيل لبنان في "الأوسكار"؟

يسارع الناقد السينمائي الياس دُمَّر وبحماسة لافتة إلى وصف اختيار "أرزة" بأنه "منصف وذكي"، لاعتبارات عدّة يشرحها لــ "نداء الوطن": أوّلها أنّ لبنان بذلك لم يضيّع فرصة ترشيح أحد أفلامه هذا العام، وثانياً والأهم هو أنّ "اختيار "أرزة"، ممتاز من الناحية السينمائية، فهو مشغول بشكل جيّد بكلّ مقوماته، إخراجاً، كتابةً، تصويراً، وإنتاجاً ووصولاً إلى اختيار موفّق جداً لممثّلين مخضرمين من بيتّي توتل الى ديامان بو عبّود، اللتيْن كانتا فعلاً رائعتيْن ومبدعتيْن بأداء دوريهما".



ولا يتردد الناقد السينمائي بدعوة الجميع لمشاهدة هذا الفيلم والتمتّع بأحداثه التي حُبكت بطريقة ذكية "خلّونا نشوف لبنان ونسيجه المتنوع بتعدّد طوائفه وميوله بطريقة جديدة متمايزة وكانت أرزة محور الفيلم، وبيتّي شقيقتها القلقة من الحاضر والتي تعيش في الماضي بعد أن عاشت قصة حب انتهت بخسارة حبيبها، هي رومانسية الموت تجسّده بيتّي توتل ببراعة لافتة".



هل هذا يعني أنّ حظوظه متوافرة؟

هنا الوضع يختلف، يجيب دُمَّر، "جوائز "الاوسكار" ترتبط بعوامل عدة، مطلق فيلم يحتاج الى "لوبيينغ"(إقناع)، إلى موزّع أميركي يوفّر حظوظ نجاحه. وإن لم تتوفر هذه الإمكانات صعب على أي فيلم أن يحظى بفرصة نجاحه".

ويُخبرنا أنّ المخرج اللبناني زياد الدويري الذي كان فيلمه "القضية رقم 23" أول فيلم لبناني يترشح لجوائز "الأوسكار"، ومن دون أن ننسى أنه ابن هوليوود، كلّف شركة توزيع أميركية كبيرة للتسويق لفيلمه في أروقة منظمي المسابقة العالمية، والأمر نفسه ينطبق على المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي التي رُشّح فيلمها "كفرناحوم"، لفئة أفضل فيلم أجنبي، فما تتمتع به من حضور عالمي لا شك ساهم بوصول فيلمها. وأكثر من ذلك، يلفت دُمَّر إلى أن كليهما، وقبل وصولهما إلى "الأوسكار"، نالا العديد من الجوائز العالمية في مهرجانات سينمائية دولية كبيرة وهذا ما يفتح الباب واسعاً لنيل جوائز "الأوسكار" ".



وتجاه حملات الانتقاد لخيار "أرزة" يخبرنا الياس دُمَّر، "كنت عضوا في لجنة اختيار الأفلام في وزارة الثقافة عندما طرحنا فيلمَيْ لبكي والدويري لخوض مسابقة "الأوسكار"، يومها سمعنا انتقادات كثيرة لخيارنا، ورأينا لاحقاً النتيجة. وأكثر من ذلك، أين المشكلة إذا كان الفيلم مقتبساً وملبنناً، فكم من الأعمال الكبيرة مقتبسة ومستوحاة، وقد بُني عليها محتوى جديد".

ويختم مؤكداً أنّ "أرزة" "بيستاهل" وجدير حقّاً بأنْ يمثّل لبنان في المهرجان العالمي خصوصاً أنه جال العديد من مدن العالم وعُرض في مهرجانات دولية.



حظوظ "أرزة" صفر؟!

لكنّ هناك رأياً مخالفاً... من على صفحته على فايسبوك، سأل المخرج والناقد السينمائي إدي أسطا "هل فعلاً يستحق فيلم "أرزة" المستوحى والملبنن عن الفيلم الإيطالي "سارق الدرّاجة" للمخرج فيتوريو دي سيكا من إنتاج عام 1948، تمثيل لبنان في السباق إلى أوسكار أفضل فيلم أجنبي؟ وجوابه: "طبعاً كلّا"، معقّباً أنّ "اختيار فيلم لتمثيل لبنان للمنافسة على جائزة "الأوسكار"، أصبح أمراً يستدعي البحث والمراجعة".



ما هي مآخذ إدي أسطا على "أرزة"؟ تسأله "نداء الوطن".

يجيب إنها كثيرة ويستفيض بشرحها... "أنا أولاً لست ضد السينما اللبنانية، أنا أكثر الداعمين لها لكنّني لا أساير .. فيلم "أرزة" للجمهور العادي جيّد ويسلّيه، لكن نظرة خبير سينمائي حتماً ستختلف. عندما أنظر إلى فيلم سينمائي بدأ العمل عليه منذ العام 2022، مستوحى إلى حدّ كبير، ولو كان ملبنناً، من الفيلم الإيطالي "سارق الدراجة" الذي يُعدّ من كلاسيكيات السينما العالمية، لا يمكن إلا نقارن". ويقول: "أولاً قصّة الفيلم درامية في العمق، وفجأة يأخذوننا إلى الكوميديا وهذا أمر لا يمكن استيعابه بحيث تدمّر الدراما بالكوميديا. والأهم أنّ تفاصيل القصة تتوالى شبيهة جدّاً بأحداث الفيلم الإيطالي الشهير بينما كانت إيطاليا خارجة من الحرب العالمية الثانية تعاني أزمة اقتصادية كبيرة وبطالة. إذ يعرض لقصة رجل يعلّق أفيشات السينما على الطرقات وتُسرق دراجته ويقع في أزمة كبيرة وطوال الفيلم نراه هو وابنه يجوبان أحياء روما بحثاً عن دراجته، في توثيق لواقع روما في تلك الفترة من خلال ذلك الفيلم".



ويستطرد أسطا "هل يمكن بعد أن نشكّ بأنّ "أرزة" مستوحى كي لا نقول مقتبساً؟ ويا حسرتي إذا كان اعضاء لجنة "الأوسكار" الذين يشاهدون الأفلام ويقيّمونها، قد شاهدوا سابقاً، وحتماً فعلوا، الفيلم الإيطالي. شو بدّن يقولوا عنّا؟ شو باعتلنا لبنان؟!".

ويستذكر هو يوم اختار لبنان فيلمَيْ زياد الدويري ونادين لبكي "كان المستوى عالياً جدّاً، دخل لبنان بقوة بأفلام يمكن حقاً أن تنافس".



إذاً برأي أسطا "حظوظ "أرزة" صفر في "الأوسكار"... لكن في المقابل، عرضه في المهرجان مكسب كبير للمخرج ولفريق الفيلم".

ومع ذلك، يختم إدي أسطا "الإيجابي في "أرزة" هو المستوى التمثيلي الرائع وخصوصاً أداء بيتّي توتل وديامان بو عبود. لكن الأداء التمثيلي لا يكفي لإيصال أيّ فيلم للأوسكار، فالسيناريو هو الأساس ويليه الإخراج، والمطلوب عدم إرسال فيلم دون المستوى، وليس عيباً أن لا نشارك. العيب أن نرسل فيلماً ضعيفاً، "أرزة" فيلم عادي إخراجاً وإنتاجاً، ولا يرقى إلى مستوى اختياره لتمثيل لبنان في هكذا مهرجان".


وفي انتظار الموعد الكبير، تراه ماذا سيكون عليه حال"أرزة" يوم وصولها إلى "هوليوود"؟ هل تطول "الأوسكار" بأعجوبة؟

بين مشجّع لا يستبعد وناقد "شايلا من حسابو"، نقول حظاً سعيداً "أرزة" لك ولسينما لبنان ولكل ما يزرع فرحاً وفنّاً وثقافةً في لبنان، ومنه إلى العالم.