"إسرائيل شرّ مطلق"... مسلّمة غير قابلة للنقاش عند كثيرين. بالنسبة للبنان تعني العبارة، في ما تعنيه، أن إسرائيل تسعى لإيذائنا وإخضاعنا واحتلالنا، وربما حتى إبادتنا، كهدف بذاته. لذا وبحسب هذه المقولة، فإنها كانت ستفعل ما فعلته بنا سواء كان، أو لم يكن، هناك طرف مسلح حتى النخاع يعلن يومياً نيته واستعداده لتحرير القدس وتدمير إسرائيل.
وهكذا فإذا أخذنا بمقولة شر إسرائيل المطلق، لم يعد بالإمكان لوم "حزب الله" على جرّ البلاد إلى الحرب المدمرة طالما أنها كانت ستفعل ما فعلته وتدمر ما دمرته في كل الأحوال، عاجلاً أو آجلاً.
مقولة "إسرائيل شرّ مطلق" تعني أيضاً أن إسرائيل وحش داهم يفهم لغة القوة فقط. وهذا يوجب علينا أن نعدّ لها ما استطعنا من تلك القوة وبأي وسيلة كانت. فهي تهديد وجودي لا يحول بيننا وبينه إلا النار والحديد. وحتى عندما نكتشف أن القوة التي أعددناها له ليست كافية، كما حصل في الأسابيع المنصرمة، يبقى المطروح علينا أن نعدّ لها عدة أكبر في المستقبل ونجرب حظنا، الذي هو قدرنا طالما أن لا خيار لنا غيره.
هنا ايضاً، لا يصح لوم "حزب الله" لأن ما جرى كان سيجري على كل حال، ولربما بشكل أسوأ لولا وجود طرف مقاوم كـ "حزب الله".
لذا فإن أردنا إلقاء اللوم على "الحزب" بشأن ما حل بنا، كان علينا أن نرفض الدوغما التي مفادها أن إسرائيل تنوي لنا الشر كله بغض النظر عن أحوالنا وأفعالنا، وأن نرفض المنطق القائل إن توازن الرعب فقط يستطيع أن يضمن أمن لبنان.
فالاعتراض على "حزب الله" لا يجب أن ينطلق فقط من عدم قدرته على تحقيق توازن رعب فعال، بل من عدم حاجتنا أصلاً إلى هذا التوازن.
ولنفس هذه الأسباب يجب أن لا ترتبط المطالبة بتسلّم الجيش اللبناني مهمة الدفاع عن الحدود بأي سعي لتحقيق توازن رعب مع إسرائيل. فهذا الجيش، حتى في أكثر السيناريوات تفاؤلاً لن يستطيع أن يكون ندّاً للجيش الإسرائيلي على أي مدى منظور. لا بل يجب أن ترتكز المطالبة بالجيش اللبناني على أمور أخرى ليس من ضمنها إقامة توازن رعب مع إسرائيل.
لا شك أن هناك الكثير مما يميز الجيش اللبناني ويعطيه أفضلية على "حزب الله"، في مقدّمها أنه، وبخلاف "الحزب"، يجمع أبناء الوطن من كل الفئات، وأنه ليس حكراً على مكوّن دون غيره. لكن الفرق الأهم الذي يجعله ضامناً لأمن البلاد في مواجهة إسرائيل لا يكمن في تنوعه، ولا في استقلالية قراره، ولا طبعاً في قدرته على صد الجيش الإسرائيلي ومقارعته في "ساحات الوغى"، لا بل كونه لا يملك عقيدة هجومية. فهو، بخلاف "حزب الله"، لا ينشد القضاء على دولة إسرائيل ولا تقوم عقيدته على السعي لتحرير فلسطين بالقوة.
هذه كانت حال لبنان بين إنشاء دولة إسرائيل عام 48 وانطلاق العمل المسلح الفلسطيني منه لتحرير فلسطين أواخر الستينات.
فلبنان حينها لم يكن قادراً على مواجهة إسرائيل عسكرياً، لكن عقيدته الدفاعية جنّبته هزائم أصابت الجيوش العربية الأكثر عدة وعتاداً.