في الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني تطلّ على اللبنانيين ذكرى الاستقلال المعلن في العام 1943. إنها ذكرى مجيدة بمضمونها الوطني التاريخي، ولكنها ذكرى مؤلمة بمضمونها الحالي وذلك بفعل الانعكاسات السلبيّة للأحداث والتطوّرات التي تجتاح لبنان وتحيط به من بعض أبنائة ومن بعض جيرانه الأقربين والأبعدين.
أولاً: في معاني الاستقلال
ينطلق المضمون اللغوي للفظة استقلال من معاني الرفعة والندرة والحرية لبلد ما. ومعادله بالفرنسية:
indépendance: qui ne dépend ni de quelqu'un ni de quelque chose
أما في المضمون السياسي فيعني الاستقلال أن يكون البلد حراً غير تابع لغيره فيه حرية للإنسان وإرادة للجماعة وممارسة للسلطة بشكل مطلق.
أمّا في المضمون الجيو - بوليتيك، فتعبيره في التنافس والنزاع والصراع بين الحيّزات الجغرافية التي يتشكّل منها النظام العالمي وحول ضرورتها وشرعيّتها ونشوئها واستمرارها ومدى السيطرة عليها. وفي هذا المجال ينبغي التذكير بكلام شهير لميشال شيحا: "لبنان أرض ميعاد الأقليات".
ثانياً: في متمّمات الاستقلال والصراع على لبنان
في كل دولة ثلاثة عناصر أساسية: الجغرافيا (الكيان) والشعب والسلطة. وقد أعلن الجنرال غورو دولة لبنان الكبير بعد انتداب فرنسا وبريطانيا على لبنان وسوريا وهما دولتان رسمتا ما نسبته 40% من حدود العالم. وتمّ ترسيم حدود لبنان مع سوريا على خط القمم (خط تقاسم المياه). وتأكد ذلك رسمياً وإن جزئياً بقرار دي مارتلR27 تاريخ 4/2/1935 لما يعادل 35 كلم من حدود القمم من مقابل عرسال إلى مقابل بعلبك. هذا القرار حسم طبيعة لبنان الجغرافية من أنه لبنان الكبير (لبنان بشارة الخوري ورياض الصلح) وليس لبنان الوسط (إميل اده) ولا لبنان الصغير (لبنان المتصرفية).
على أن ذلك لم يوقف الجدل ماضياً وحاضراً حول طبيعة لبنان ومستقبله بحيث أعيد، ويُعاد طرح مشروع لبنان الكبير في إزاء مشاريع بديلة: مشروع سوريا الكبرى، ومشروع إسرائيل الكبرى، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، ومشروع الشرق الأوسط الإسلامي، بآفاقه الإمامية الإيرانية الشيعية، ومشروع الأمة العربية، ومشروع الأمّة الإسلامية!
محور الصراع ليس جزئياً بل كلياً ومصيرياً أي أنه ليس صراعاً على ناحية من وجود لبنان بل على وجوده بالذات انطلاقاً من واقعه الجغرافي كمدخل إلى واقعه السياسي ومن ثم الاقتصادي. انطلاقاً من هذه الإشكالية المصيرية بالذات، والتي عبَّر عنها المفكّر الجيو- سياسي بل رائد الجيو - استراتيجيا المعاصرة فريد ريتش راتزل في مؤلفه "الجغرافيا السياسية" حيث يقول: "الاستقلال الجغرافي لبلد ما يكمن في تأكيد خصوصيّته إزاء محيطه".
وهو ما دفعني إلى اختيار أطروحتي في الدكتوراه بعنوان "مدخل إلى الخصوصيّة اللبنانيّة" وهي ردّ علمي على مختلف الطروحات الدينية والسياسية والأيديولوجية التي تتحامل على لبنان الكيان والدولة وتظهر الأطروحة علميّاً مدى خصوصيّته بالنسبة لمحيطه إلى الحدّ الذي جعل صاحب الغبطة المرحوم البطريرك مار نصرالله بطرس صفير يقول: "بعد هذه المطالعة العلميّة لا يمكن القول إن لبنان هو خطأ جغرافي وتاريخي بل هو حقيقة جغرافيّة وتاريخيّة".
ثالثاً: لبنان والتحدّيات الكبرى
كون لبنان في تصنيف الجغرافيا السياسية، دولة حاجزاً يجعله وبالتالي استقلاله في عنق الزجاجة ليس فقط لصراع القوى الإقليمية المحيطة به للسيطرة عليه جزئياً أو كلياً، وهي هنا إسرائيل وسوريا، بل لعدّة اعتبارات نشير إلى أهمّها ومنها:
وقوع لبنان جغرافياً على تقاطع الانقسام الجيو بوليتيكي بين المتوسط والخليج، وبالتالي يصبح احتيازه مسألة أساسية في تحديد موازين القوى الإقليمية والدولية وخاصة ضمن الصراع - الفتنة بين الهلال الشيعيّ والقوس السنيّ!
اعتبارات اقتصاديّة تنطلق من نظرة جديدة إلى لبنان كدولة نفطية وهي ما يعطي لبنان أهمية استراتيجية وجيو- سياسية.
اعتبارات دينية كون لبنان رمزاً لمركزية الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، أي كعامل أساسي في تحديد علاقة القوى الإقليمية بالغرب.
اعتبارات قانونية دوليّة تؤكد استقلال لبنان الحقيقي وسيادته الحقيقية أي الثابتة والنهائية في مواجهة ما هو ظرفي وموقّت وعارض وهذا ما أدّى إليه بشكل بارز قرار مجلس الأمن (1559) تاريخ 2/9/2004 الذي هو في الوقت عينه تأكيد لاتفاق الطائف وإنهاء لوضعية "الكوندومينيوم" أي (الحكم الثنائي) الذي فرضه كيسنجر على لبنان بوضعه تحت الوصاية الإسرائيلية والسورية. بهذا المعنى يمكن القول إن القرار 1559 هو قرار تأسيسي (في حين أن القرار 1701 هو قرار تطبيقي) إنه قرار استقلالي بامتياز لأنه يؤكد في مندرجاته على خمسة أمور أساسية بالنسبة لاستقلال لبنان:
سيادة لبنان واستقلاله السياسي.
انسحاب القوات الأجنبية منه.
حلّ جميع الميليشيات ونزع سلاحها.
بسط سيطرة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية.
احترام قواعد الدستور اللبناني.
لقد شرعن القرار 1559 دولياً وبالإجماع (وخاصة أميركا فرنسا) نهائيّة لبنان الدولة والكيان، وهو ما دفع ثمنه الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما وُصف بأنّه "أنهى الحلم السوري بضم لبنان على مراحل".
في الخلاصة، يقول المؤرخ اللبناني كمال الصليبي: "كل تسوية سياسية في لبنان لا يمكن أن تدوم ما لم تأخذ مسائل التاريخ في اعتبارها". ومسائل التاريخ في لبنان تؤكّد منذ زمن الفينيقيين أن لبنان لم يبنِ فلسفته الوجودية على مبدأ القوّة بل على مبدأ الحرية. ولقد كانت مقاومته، بل فلسفته الوجودية قائمة على الدفاع عن هذه الحرية باعتبارها المقاومة الأكثر شرعية ولزوميّة في الدفاع عن وجوده واستمراره ولهذا بنى تراثه التاريخي على الألفباء الفينيقية وليس على الأمجاد العسكرية.