سرّب فريق الممانعة منذ فترة أن اتفاق وقف إطلاق النار، أو ما عُرف بالورقة الأميركية، يحمل بصمات إسرائيلية واضحة والهدف منه دفع لبنان إلى تقديم التنازلات. ولكي لا يُتّهم رئيس البرلمان بإفشال المفاوضات الجارية بصدده، لجأ كالعادة إلى صياغات لغوية مُلتبسة لا تضع حداً لمسار الأخذ والردّ. لكن في الوقت نفسه من غير المؤكد حصول أي تبدّل جدّي في موقف "حزب اللّه"، على الرغم مما قيل بشأن دعم طهران الحكومة اللبنانية التي تسعى إلى وقف فوري لإطلاق النار.
ليس بالأمر المستغرب ألّا تصل مفاوضات وقف إطلاق النار إلى النتيجة المرجوّة في وقت يعتبر طرفا النزاع أنهما انتصرا. ألم يسبق وقال رئيس مجلس النواب، وفقاً لمصادر قناة "العربية"، "نحن لم نُهزم"، مُضيفاً أن "القتال مُستمرّ في الميدان وإسرائيل تتكبّد خسائر"؟ فيما اعتبر "حزب اللّه" أن المُقترح الأميركي يحتاج لنقاش طويل وأن إسرائيل فقدت جدوى القتال ويريد الاستثمار في ذلك، مُتغاضياً عمّا حلّ بكوادره وأمينه العام ومؤيديه من كوارث. بالتالي، وانطلاقاً من خانة الإنكار التي تسعى إلى بناء حقيقة أخرى، كان متوقعاً عدم حصول خرق نوعي. كما لا بدّ أيضاً من إضافة العامل الإيديولوجي الذي تجلّى بالإيمان بفعاليّة السياسات الاستبدادية المُدمّرة، تلك التي تؤدّي إلى استعصاء الصراعات السياسية. لكن المشكلة الأساسية تكمُن في تبنّي مجتمع بكامله هذه الأفكار، وصولاً إلى ما يُعرف بالتفكير الجماعي الجماهيري الناتج عن الانضباط الصارم الذي يُفرض عليه. ناهيك بغياب أي نوع من النقاش حول ما إذا كانت هذه "الحقائق" المُتداولة صحيحة. لكن لماذا الاستمرار في تصديق الأكاذيب؟ لأن الناس يُفضّلون التوافق مع المعايير الاجتماعية لمجموعاتهم الخاصة على أن يكونوا صادقين مع أنفسهم. ما يؤدي إلى مزيد من التعصّب والقبليّة.
باختصار من غير المُرجّح أن يأتي الحلّ نتيجة مفاوضات كما يحصل عادة في حالات مماثلة. ليس فقط لأن قرار لبنان بيد طهران بل أيضاً لأن من يعتقد أنه مُنتصرٌ يرفض تقديم التنازلات التي من دونها لا وقف لإطلاق النار. بالتالي، وكالعادة سيُفرض لاحقاً الحلّ الذي لم ينضج بعد من قبل الأطراف الخارجية المعنيّة بالأزمة اللبنانية. الأكيد أنه آن الآوان للتخلّي عن خرافة "لا غالب ولا مغلوب" التي رافقت تاريخ لبنان لسنوات. فبعد ثورة 1958 انهزم التيار السيادي إثر العدوان غير المباشر على لبنان من قبل الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر، وتخلّي منظّمة الأمم المتحدة عنه. وبات تحت سيطرة من عُرف برجل الرُعب، مدير المخابرات السورية الأسبق ورجل عبد الناصر في سوريا وحاكمها غير الرسمي عبد الحميد السرّاج. ثم اندلعت الحرب الأهلية التي استمرّت 15 عاماً، وانهزم على إثرها الفريق المسيحي الذي عاش لسنوات عدّة حالة إحباط عزّزها الاحتلال السوري، وصولاً إلى اغتيال الشهيد رفيق الحريري. تلى هذه الجريمة تراجع تيّاره سياسياً وخسارة موقعه الأول للتمثيل السنّي. ومرّة أخرى لم يَسلم التيّار السيادي فعانى من الاغتيالات التي طالت قادته خاصة بعد سيطرة الاحتلال الإيراني غداة انسحاب الجيش السوري.
ليس مهماً كيف سيأتي سيناريو الحلّ فهو لا بدّ آتٍ، حتى ولو أصرّ "حزب اللّه" على مواصلة الحرب وتدمير لبنان. ألّا يعترف "حزب اللّه" بما اقترف من أخطاء لا تُغتفر بحقّ اللبنانييين، أصبح أمراً ثانوياً، فلا أحد واهم أنه سيفعل. لكن المؤكدّ أن الحلّ آتٍ وسيترافق مع سقوط هيمنة "حزب اللّه" و"الأوهام الجماعية" التي عمل خلال عقود على زرعها في عقول مناصريه.