64336

الإصابات

531

الوفيات

29625

المتعافون

ميرا كامدار

باريس... لم تعد كما نعرفها

12 أيلول 2020

المصدر: The Atlantic

02 : 01

تعرّضت مدينة باريس لاضطرابات كبرى بسبب فيروس كورونا لكن يدرك القادة الفرنسيون أن التغيير بات ضرورياً

ضرب الوباء المستجد باريس بقوة وكانت تداعياته أسوأ بعد في ضواحيها الفقيرة. سبق وربطت باريس مستقبلها بعملية الاندماج مع حلقة واسعة من بلدات الضواحي تمهيداً لتشكيل "متروبوليس" أو "مدينة باريس الكبرى"، وهي عبارة عن عاصمة مُحصّنة بيئياً تتماشى مع متطلبات القرن الواحد والعشرين. لكن أوضح فيروس كورونا إلى أي حد أصبح التغيير عاجلاً.

في السنة الماضية، زار أكثر من 38 مليون شخص باريس. لكن خلال هذا الصيف، تراجع معدل إشغال الفنادق بنسبة 86% بسبب حظر رحلات السفر الدولية. كذلك، شهدت منطقة باريس الحضرية تراجعاً في النشاط الاقتصادي بأكثر من 37% خلال زمن الوباء مقارنةً بالفترة نفسها من السنة الماضية. وفي منطقة "إيل دو فرانس" التي تعتبرها باريس محورها الأساسي، خسر الناس 100 ألف وظيفة منذ منتصف آذار الماضي.

في المقابل، نجحت تدابير الإقفال الصارمة منذ منتصف آذار في تخفيض الإصابات والحالات التي تستدعي دخول المستشفى وأعداد الوفيات. لكن بعد تخفيف تلك التدابير، بدأ الفيروس ينتشر مجدداً. لا تزال معدلات الاستشفاء تحت السيطرة في الوقت الراهن وتبقى حالات الوفاة منخفضة نسبياً، لكن ارتفع عدد الإصابات الجديدة بدرجة مقلقة في الأسابيع الأخيرة وبلغت الإصابات مستوىً فائقاً في منطقة باريس الحضرية. في 27 آب، أعلن رئيس الوزراء جان كاستكس أن 21 قسماً إدارياً من أصل 101 في فرنسا تُعتبر "مناطق خطيرة" من حيث الإصابات بفيروس "كوفيد19"، بما في ذلك باريس والإدارات المجاورة لها.

كما حصل في الولايات المتحدة، لم تواجه جميع المناطق تداعيات الأزمة بالتساوي. يكفي أن نقارن مثلاً بين وضع "سين سان دوني" (أفقر قسم إداري في فرنسا وفيها ثاني أعلى نسبة من المهاجرين) ومناطق باريس الداخلية. تشمل منطقة "سين سان دوني" أعلى عدد من العمال الأساسيين في "إيل دو فرانس"، وتابع عدد كبير من السكان هناك استعمال وسائل النقل العامة للتوجه إلى العمل خلال فترة الإقفال التام طوال شهرين. تعاني هذه المنطقة أيضاً من شحّ الأطباء. نتيجة هذه الظروف كلها، سجلت "سين سان دوني" بين 1 آذار و19 نيسان معدل وفيات أعلى مما كان عليه في الفترة نفسها من السنة الماضية بنسبة 134%. وداخل حدود مدينة باريس، ارتفع معدل الوفيات بنسبة 99%.

يدرك ســـكان الضواحي جيداً أنهم تحملوا المصاعب أكثر من غيرهم خلال المرحلة الأولى من الإقفال التام مقارنةً بالمناطق الأكثر غنى في جوارهم، ويعرفون أن الشرطة عاملتهم بقسوة مضاعفة حين كانوا يظهرون في الأماكن العامة مقارنةً بممارسي الهرولة مثلاً بالقرب من "قوس النصر". نتيجةً لذلك، سادت أجواء من الإحباط والغضب. في الوقت نفسه، أدى مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة إلى نزول آلاف المحتجين الفرنسيين الداعمين لحركة "حياة السود مهمة" إلى شوارع باريس في حزيران الماضي، بما يخالف أوامر منع التجمّع بأعداد كبيرة، احتجاجاً على وحشية الشرطة العنصرية في فرنسا.





لهذه الأسباب كلها، لا أحد يتكلم عن موت باريس مثلما يتكلم البعض عن موت نيويورك. لقد صمدت باريس في وجه مصائب كثيرة على مر تاريخها القائم منذ ألفَي سنة. وفي السنوات الأخيرة وحدها، تعرضت هذه المدينة لاعتداءات إرهابية وفيضانات واحتجاجات عنيفة في الشوارع وحريق كاد يدمّر كاتدرائية "نوتردام". ترفع باريس دوماً شعار "تهتز السفينة لكن لا تغرق" وتُعتبر العاصمة المالية والثقافية والسياسية لبلدٍ شديد المركزية وستبقى كذلك إلى الأبد.

لكن قد ينصدم الأميركيون حين يعرفون أن القيادة الفرنسية تدرك أهمية عدم إهدار الأزمة الحاصلة. بعبارة أخرى، هي مستعدة للتحرك! حين خرج الباريسيون من شققهم وعادوا من منازلهم الريفية بعد فترة الإغلاق التام، اكتشفوا أن "ممرات كورونا" الصفراء الساطعة التي كانت مخصصة للدراجات الهوائية على طول 50 كيلومتراً أصبحت بديلة عن خطوط المترو المزدحمة تحت الأرض. كذلك، احتلت طاولات المقاهي مساحات من الشوارع التي يُمنع فيها مرور السيارات واستولت على مسافات من مواقف سيارات سابقة، ما سمح لمطاعم المدينة بإعادة فتح أبوابها في ظل تخفيض خطر انتقال العدوى لأقصى حد.

كُلّفت رئيسة بلدية فرنسا آن إيدالغو بالتخلص من سيارات المدينة لفترة معينة وتخفيف تلوث الهواء الذي يقتل 6600 شخص في منطقة باريس الحضرية سنوياً، معظمهم في الضواحي. وفي حزيران الماضي، أعيد انتخابها بسهولة بناءً على برنامج يَعِد بتسريع التحولات البيئية في باريس. فتعهدت بجعل جزءٍ من التغيرات التي أقرّتها خلال فترة الإقفال التام دائماً وبإعادة تخضير باريس بغابات حضرية. من المنتظر أن يتم حظر جميع سيارات الديزل من المدينة بحلول العام 2024. كذلك، تُحضّر إيدالغو خطة لتحويل الحزام المحيط بباريس إلى حدائق بحركة سير مُخففة وسيارات نظيفة، ويسهل أن يعبرها المشاة وأصحاب الدراجات الهوائية. لا يتعلق الهدف الوحيد بإلغاء طريق سريع قبيح وملوّث في مدينة تتطلع إلى حقبة ما بعد الكربون، بل تتمحور الخطة أيضاً حول التخلص من أهم عائق ملموس ونفسي أمام دمج المدينة مع ضواحيها ضمن "متروبوليس باريس الكبرى" الجديدة. لكن قد لا يسقط ذلك العائق في وقت قريب بما يكفي.

إشتق مفهوم "المتروبوليس" من أعمال الشغب العنيفة في العام 2005، غداة وفاة شابَين بالصعق الكهربائي عن طريق الخطأ. كانا ينتميان إلى جماعات من الأقليات ويحاولان الهرب من الشرطة في "كليشي سو بوا"، إحدى ضواحي باريس. في العام 2009، طلب الرئيس السابق نيكولا ساركوزي من فريق مهندسين أن يضع خطة لإنشاء نسخة موسّعة من "باريس الكبرى" بهدف تحسين نوعية الحياة في الضواحي ودفع باريس إلى الامتثال بحدود انبعاثات الكربون التي فرضها "بروتوكول كيوتو" وجعل العاصمة الفرنسية مدينة من الطراز العالمي. تم التوقيع على مشروع "متروبوليس باريس الكبرى" رسمياً في كانون الثاني 2016، غداة الاعتداءات الإرهابية في العام 2015. من المقرر أن يُستكمل مشروع "باريس الكبرى إكسبرس" في العام 2030، وقد أصبح أصلاً قيد البناء. إنه نظام النقل العام الجديد في "المتروبوليس" وسيكون الأكبر في أوروبا، ويشمل مسارات جديدة للقطارات الآلية التي تمرّ كل دقيقتين أو ثلاث دقائق على طول 200 كلم بين 68 محطة من تصميم مهندسين معماريين. ستُزيَّن هذه المحطات بأعمال كبار الفنانين المعاصرين وتُحاط بمساكن ومساحات خضراء وجامعات جديدة، فضلاً عن مكاتب متعددة الأغراض ومجمعات ترفيهية. في العام 2017، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن عدم الاستفادة من خدمات النقل العام يوازي وضع سكان ضواحي باريس "تحت الإقامة الجبرية". يُفترض أن يُحرر مشروع "باريس الكبرى إكسبرس" هذا القطاع.

على صعيد آخر، يُفترض أن يُحسّن مشروع "أولمبيــــاد باريس" في العـــام 2024 حياة النـاس أيضاً. ستُبنى معظـــم البنى التحتية الخاصة بالألعاب الأولمبية في بلدة "سان دوني"، وتحديداً في دائرة "سين سان دوني". عندما زرتُ الموقع الذي سيُخصّص مستقبلاً للقرية الأولمبية للعام 2024 في آب الماضي، كان حجم التغيرات الحاصلة واضحاً. لكن لم يتّضح في المقابل كيف ستساعد تلك التغيرات المقيمين السابقين بعدما هُدمت منازلهم وشركاتهم الصغيرة. تتعهد سلطات باريس بأن تؤمّن الألعاب الأولمبية مساكن ووظائف جديدة ومحطة قطار لامعة ضمن مشروع "باريس الكبرى إكسبرس". لكن يشكك عدد كبير من السكان بما سيحصل حتى الآن، إذ لم يطلب أحد رأيهم حول هذه المسألة ولطالما تجاهل المسؤولون مشاكلهم.

تشتق باريس الأسطورية المعاصرة من تحوّل جذري شهدته العاصمة الفرنسية غداة وباء الكوليرا الذي اجتاح المدينة في العام 1832 وأسفر عن وفاة 19 ألف شخص خلال ستة أشهر. في تلك الفترة كما اليوم، هرب الباريسيون الأثرياء إلى منازلهم الريفية وتُرِك الفقراء ليموتوا في الشوارع التي اتّسخت بمياه الصرف الصحي. سرت شائعات مفادها أن المرض كان مؤامرة ضد الشعب الثائر (خلّد فيكتور هوغو تلك الأحداث في رواية Les Misérables البؤساء)، فنشأت الحواجز لعزل القوات العسكرية عن الأحياء المتمردة. رداً على ذلك، كلّف نابليون الثالث بارون هوسمان بتحويل باريس إلى عاصمة معاصرة ومحصّنة ضد الأوبئة والثورات. في المرحلة اللاحقة، هُدِمت الأحياء الفقيرة والمكتظة تمهيداً لبناء طرقات واسعة سمحت بمرور الهواء والجنود بكل حرية في أنحاء المدينة. كذلك، نشأ نظام جديد للصرف الصحي تحت الأرض واضطر الفقراء للانتقال إلى هوامش باريس. وبعد 170 سنة تقريباً على طردهم من هناك، يُفترض أن يعيدهم مشروع "متروبوليس باريس الكبرى" إلى الأطراف التي تغلّف المدينة.

من وجهة نظر أميركية تقيم في "متروبوليس باريس الكبرى" (أنا أقيم في ضاحية "بانتين" في "سين سان دوني")، يصعب عليّ أن أصدق الفوضى الحاصلة في الولايات المتحدة. فرنسا ليست مثالية بأي شكل ولا تعمّ فيها المساواة في كل مكان، لكني محظوظة لأنني أقيم في بلدٍ يستفيد فيه السياسيون والمواطنون الذين يحاسبونهم من الوباء المريع لإحداث تغيرات جذرية وضرورية للصمود في وجه الاضطرابات المقبلة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.