د. بولا أبي حنا

فرنسا عند حدود الحرّية

5 دقائق للقراءة
لا يمكن الجزم بأن الاحتجاجات صُمّمت لاستهداف الرئاسة (أ ف ب)

فرنسا، بلد الحريات. هكذا قدّمت نفسها للعالم منذ أن كتبت الثورة الفرنسية على جدران التاريخ عبارتها التي تجاوزت حدودها الجغرافية: Liberté, Égalité, Fraternité. ثلاثة مفاهيم تحوّلت إلى أكثر من شعار؛ صارت تعريفًا للجمهورية الفرنسية وصورتها عن نفسها وعن موقعها في العالم. لكن ماذا يحدث عندما تنزل هذه الجمهورية إلى الشارع، ويصبح أبناؤها في مواجهة شرطتها، وتتحوّل المدارس إلى ساحات احتجاج، فيما تقترب البلاد من استحقاق رئاسي يُفترض أن يكون لحظة إعادة ترتيب للنظام السياسي؟

ما جرى في فرنسا في 6 تشرين الأوّل ليس مجرّد يوم احتجاج عابر. أكثر من 266 ألف شخص شاركوا، وفق الأرقام الرسمية، في تحرّكات امتدّت على مستوى البلاد، فيما أُغلقت أو تعطّلت مئات المدارس، وسُجّلت مواجهات مع الشرطة واعتقالات وإصابات. والمفارقة أن الشرارة الأولى لم تكن قضية الهجرة ولا الإسلام ولا حتى الانتخابات الرئاسية، وإنما ظروف التعليم: نقص المدرّسين، اكتظاظ الصفوف، تراجع البنى التحتية ومشكلات متراكمة في المدارس. لكن السياسة تبدأ غالبًا من حيث ينتهي السبب المباشر للاحتجاج.

فحين يتحوّل اعتراض طلّابي إلى حركة اجتماعية واسعة، وتنضمّ إليها نقابات وأهالٍ وقطاعات أخرى، يصبح السؤال أكبر من المدرسة. يصبح السؤال عن علاقة المواطن بالدولة، وعن قدرة الدولة على تقديم الخدمات التي يُفترض أن تكون من أبسط وظائفها، وعن الفارق بين الجمهورية التي تتحدّث عن المساواة والجمهورية التي يشعر بعض مواطنيها بأنهم يعيشون في ظروف غير متساوية.

وهنا تبدأ المشكلة الفرنسية الحقيقية. ففرنسا لا تواجه أزمة شارع فقط، وإنما أزمة في نموذج الحكم نفسه. النظام الذي أعطى الرئاسة موقعًا استثنائيًّا في الجمهورية الخامسة جعل كلّ انتخابات رئاسية تبدو كأنّها لحظة خلاص سياسي. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت حدود هذه المعادلة. انتخابات 2024 التشريعية المبكرة أنتجت برلمانًا شديد التشرذم، وأصبح تشكيل غالبية مستقرّة أكثر صعوبة، فيما تصف تحليلات فرنسية الوضع الراهن بأنه أزمة في "الرئاسوية" نفسها، بعدما أصبح مركز الثقل السياسي شديد الارتباط بقصر الإليزيه.

والآن تقترب فرنسا من الانتخابات الرئاسية في 18 نيسان 2027، على أن تُجرى الدورة الثانية في 2 أيار. أي أن البلاد تدخل عمليًّا مرحلة ما قبل الرئاسة، في وقت لم تعد فيه الرئاسة وحدها قادرة على احتواء الانقسام السياسي والاجتماعي. من هنا يصبح من المشروع طرح السؤال: هل المستهدف هو الحكومة الحالية فقط، أم أن الأزمة بدأت تضرب النموذج الذي ستُجرى الانتخابات المقبلة على أساسه؟

لا يمكن الجزم بأن الاحتجاجات صُمّمت لاستهداف الرئاسة، ولا بأن الحركة الطلّابية تتحرّك وفق أجندة انتخابية. الوقائع المتوافرة لا تثبت ذلك. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن كلّ أزمة اجتماعية كبيرة في الأشهر السابقة على انتخابات مصيرية تتحوّل تلقائيًّا إلى مادة للصراع السياسي. وما يهمّ ليس فقط من بدأ الاحتجاج، بل من سيعيد تفسيره، ومن سيحوّل غضب الشارع إلى رأسمال انتخابي.

وهنا تأتي تغريدة دونالد ترامب في توقيت بالغ الدلالة. في ذروة الاحتجاجات الفرنسية، لم يقرأ الرئيس الأميركي الحدث من بوابة المدارس أو المدرّسين أو البنى التحتية. كتب على منصّته "تروث سوشال" أن ما يحدث في فرنسا سببه "هجرة جماعية خارجة عن السيطرة"، وأضاف: "الأمر لا يتعلّق بالمدارس، بل بالإسلام الذي يريد السيطرة على بلد كان عظيمًا ذات يوم".

ترامب لم يُقدّم في تغريدته أدلّة تربط الحركة الطلّابية بالإسلام أو الهجرة. كما أن المطالب المعلنة للحركة تدور حول التعليم وظروف المدارس. لذلك، تبدو أهمية التغريدة في شيء آخر: إنها لم تكتفِ بالتعليق على الأزمة الفرنسية، وإنما حاولت أن تمنحها تفسيرًا مختلفًا تمامًا. وهنا تكمن السياسة. ترامب يُعيد وضع الحدث الفرنسي داخل السردية التي تشكّل جزءًا أساسيًّا من خطابه السياسي: الهجرة، الإسلام، الحدود، وأزمة الغرب. وتأتي التغريدة أيضًا في سياق سياسي أميركي حسّاس، قبل انتخابات التجديد النصفي، ما يجعل قراءة التوقيت أكثر أهمية من قراءة العبارة وحدها.

لكن المفارقة أن باريس ردّت من الزاوية نفسها تقريبًا التي تجعل القضية أكثر عمقًا. وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو قال، تعليقًا على كلام ترامب، إن فرنسا إذا لم تكتب قصّتها بنفسها، فسيكتبها الآخرون عنها. وهذه ربّما هي المسألة الأكثر أهمية في المشهد كلّه. فرنسا اليوم لا تواجه فقط سؤال الحرّية، بل سؤال من يملك تعريف الحرّية. فرنسا لا تواجه فقط أزمة تعليم، بل سؤال الدولة التي تستطيع أن تضمن المساواة. ولا تواجه فقط استحقاقًا رئاسيًّا، بل سؤال ما إذا كانت الرئاسة ما زالت قادرة على إنتاج التسوية التي تحتاج إليها الجمهورية.

أما حدود فرنسا الحقيقية، فلم تعد تُقاس فقط بخريطتها الأوروبية. هناك حدود أخرى: حدود قدرة الدولة على إدارة غضب مواطنيها، حدود قدرة الرئاسة على جمع مجتمع منقسم، وحدود قدرة فرنسا على أن تروي أزمتها بلغتها هي. لذلك، قد لا تكون الصورة الأكثر دلالة اليوم صورة شرطي في مواجهة طالب، ولا مدرسة مغلقة، ولا حتى تغريدة ترامب. إنها فرنسا وهي تحاول أن تستعيد حقّها في تعريف نفسها. فالدولة التي جعلت من "الحرّية، المساواة، الأخوّة" شعارًا عالميًّا تجد نفسها أمام اختبار أصعب: هل تستطيع أن تحافظ على حرّيتها في تعريف أزمتها، قبل أن يتولّى الآخرون تعريفها نيابة عنها؟


أستاذة جامعية