لفت وزير الصحة العامة فراس الأبيض إلى أن النظام الصحي في لبنان تعرض لضغط هائل خلال العدوان الإسرائيلي، ما تسبّب بتراجع حاد في الموارد والخدمات الصحية الأساسية والحيوية الأخرى. وقد جاء هذا الضغط، وفق توصيف الأبيض، "ولبنان لم يكن قد خرج بعد من أزمة مالية انفجرت عام 2019 وصنّفها البنك الدولي بأنها واحدة من أسوأ الأزمات المالية منذ القرن التاسع عشر".
أكد وزير الصحة العامة أن النظام الصحي في لبنان ورغم موارده الضئيلة، استطاع أن يواجه أزمة العدوان الإسرائيلي الهائلة. وتمكن هذا النظام، الذي يسعى منذ تفجر الأزمة المالية في العام 2019 للصمود والاستمرارية، من أن يواجه التداعيات الصحية للعدوان بشكل خاص؛ فلم يتم إهمال أي جريح بل استمرت المستشفيات، بفضل تنسيق وثيق بين وزارة الصحة العامة والمستشفيات والفرق الإسعافية، في استقبال كل الجرحى بالسرعة اللازمة وتقديم ما يحتاجون إليه من رعاية طبية نوعية متقدمة وعلاج ناجع وعمليات جراحية طارئة. وأوضح الوزير الأبيض أن هذا التنسيق شكل تطبيقاً لخطة استراتيجية استباقية وضعتها الوزارة تحسباً للعدوان وأثبتت نجاعتها لدى تنفيذها.
كلام الأبيض جاء خلال إلقائه كلمة لبنان في اجتماع مجلس وزراء الصحة العرب بدورته الحادية والستين في العاصمة العراقية بغداد، حيث عقد وزير الصحة العامة سلسلة لقاءات مع كل من وزراء الصحة في العراق صالح مهدي الحسناوي ومصر خالد عبد الغفار والأردن فراس الهواري وفلسطين ماجد عوني محمد أبو رمضان، كما التقى رئيسة المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية الدكتورة حنان بلخي إضافة إلى جملة لقاءات مع الوفود المشاركة ومسؤولي المنظمة تناولت سبل تفعيل التعاون وتنفيذ برامج مشتركة في مجال الصحة.
كلمة لبنان
وكان وزير الصحة العامة الدكتور فراس الأبيض قد استهل كلمته في الاجتماع بالإشارة إلى أن الحصيلة الإجمالية غير النهائية للعدوان هي سقوط 4047 شخصاً وجرح 16638. وتطرح أرقام شهداء القطاع الصحي دلالات كبيرة: 222 من العاملين الصحيين استشهدوا وجرح 330. ومن بين الشهداء 206 من رجال الإسعاف، و257 جريحاً منهم. هذه الأرقام تظهر أن غالبية الشهداء والجرحى من العاملين الصحيين كانوا من رجال الإسعاف الذين تم تدمير 256 سيارة وآلية تابعة لهم.
كما لم تسلم المرافق الصحية حيث تضرر 94 مركزاً طبياً و40 مستشفى، بما في ذلك 67 هجوماً مباشراً على المستشفيات و231 هجوماً على خدمات الطوارئ الطبية.
أضف إلى ذلك، أن العدوان، وبأيام قليلة ومتسارعة، دفع، تحت وطأة آلاف الغارات الحربية المتواصلة، إلى تهجير مأسوي لأكثر من مليون ومئتي ألف شخص، ما يعادل ربع سكان لبنان، وتم إيواء الغالبية، في ظروف غير مثالية، ما أدى إلى انتشار حالات تسمم غذائي وأمراض جلدية وغيرها من أمراض معدية أخرى، كما سجلت حالة كوليرا واحدة تم احتواؤها وعزلها سريعاً.
تابع: كل ذلك وضع ضغطاً هائلا على النظام الصحي في بلدنا لبنان، وتسبّب بتراجع حاد في الموارد والخدمات الصحية الأساسية والحيوية الأخرى، وكلكم تعلمون أن لبنان لم يخرج بعد وللسنة الخامسة على التوالي من أزمة مالية انفجرت عام 2019 وصنفها البنك الدولي بأنها واحدة من أسوأ الأزمات المالية منذ القرن التاسع عشر. وكان من أسوأ تداعياتها موجة كبيرة من هجرة الكوادر الصحية".
وتابع وزير الصحة العامة كلمته مضيفاً: "مما لا شك فيه أن نظامنا الصحي واجه أزمة هائلة. ولم تكن الأزمة الأولى. بل كانت حلقة كبرى توّجت مسلسلاً من الأزمات المتلاحقة وقرعت ناقوس خطر هدد بانهيار النظام الصحي تحت وطأتها.
ولكن، لست هنا لأكتفي بعرض الأزمة وما تسببت به من نتائج مأسوية ومدمرة للعدوان الإسرائيلي على بلدي لبنان. فقد استطاع بلدنا، بموارده الضئيلة، أن يواجه هذه الأزمة. وتمكّن القطاع الصحي، الذي يسعى باللحم الحي ومنذ العام 2019 للصمود والستمرارية، أن يواكب التداعيات الصحية للأزمة ويواجهها بشكل خاص لا بل مميز.
في الواقع، حصل هذا التنسيق نتيجة خطة استراتيجية وضعتها الوزارة تحسباً للعدوان.
فقد تم، بموجب هذه الخطة وقبل توسع العدوان، إنشاء برامج رئيسية، أبرزها مركز عمليات طوارئ الصحة العامة (PHEOC). كانت مهمته الأساسية إدارة الإصابات وتنسيق نقل الجرحى والاستجابة الطارئة، الأمر الذي حال دون حصول إرباك في عملية الاهتمام بالجرحى بل كانت هذه العملية منظمة إلى أبعد حدود بحيث ينقل الجريح مباشرة إلى حيث يتم استقباله طبياً بشكل فوري بحسب حالته الصحية وبحسب درجة إصابته، ما أمّن الفعالية الطبية والعدالة الإنسانية القصوى.
كذلك يعود صمود النظام الصحي اللبناني خلال العدوان إلى ما حققته وزارة الصحة العامة من تحول رقمي أتاح إدارة لوجستية سريعة وشفافة لعبت دوراً مفصلياً في آليات التنسيق والتواصل فكانت سريعة ودقيقة وفعالة، وضمنت وصول الموارد إلى من هم في أمس الحاجة إليها.
كذلك أسهمت وحدة الترصد الوبائي (ESU) التابعة لوزارة الصحة العامة في الكشف المبكر عن الأوبئة والاستجابة السريعة للصحة العامة، مما حد من الأزمات الإضافية وسط الفوضى التي استشرت على كل صعيد".
ولفت الوزير الأبيض إلى أن "دعم الدول العربية الشقيقة لا يُقدَّر بثمن وسط هذه الأزمة الحادة"، مضيفا أن "لبنان تلقى أكثر من 700 طن من الأدوية والإمدادات الطبية من الدول العربية الشقيقة، والتي وصلت في وقت كانت البلاد بأمسِّ الحاجة إليها. كما جاء الدعم المالي من جامعة الدول العربية ليعزز من قدرة وزارة الصحة العامة على التصدي للتحديات الهائلة التي فرضها العدوان الإسرائيلي.
لعب هذا الدعم، بشقيه المادي والمعنوي، دوراً حاسماً في تمكين الوزارة من الاستجابة بشكل فعال للاحتياجات الإنسانية الملحة، سواء للجرحى أم النازحين".
إلى ذلك، أعلنت وزارة الصحة العامة في بيان ما يلي:
"لما كانت الأحداث السورية الأخيرة قد أدّت إلى انتقال آلاف اللبنانيين الذين كانوا مقيمين في سوريا إلى بلدهم الأم لبنان وانتشارهم في مراكز إيواء غير رسمية لعدم وجود مساكن جاهزة لهم، بدأت وزارة الصحة العامة متابعة أوضاعهم بحيث يتم تأمين احتياجاتهم الصحية والإنسانية.
كذلك تتابع الوزارة أوضاع آلاف السوريين الذين نزحوا إلى لبنان ولا سيما المناطق القريبة من الحدود حيث يفترش هؤلاء المساجد والحسينيات وعدداً من مراكز الايواء غير الرسمية، وقد بدأت الوزارة البحث مع شركائها ولا سيما المنظمات الأممية المولجة متابعة شؤون النازحين وفي مقدمها المفوضية السامية UNHCR في سبل تأمين احتياجاتهم الإنسانية ومراقبة الوضع الميداني الصحي على الأرض".