بين لبنان وإيطاليا، مساحة حوار من خلال الفن تتجاوز الحدود والجغرافيا. ومن هذا اللقاء المتوسطي، وُلد معرض "أصداء الوجود" ليحوّل شجرة الصنوبر إلى رمز بصري يجمع الذاكرة والهوية والصمود، ويعيد قراءة العلاقة بين الإنسان والمكان بواسطة رؤى فنية متعددة.
المعرض الذي انطلق في 22 تموز الماضي ويستمر حتى 21 تشرين الأول المقبل، والمقام في "جناح نهاد السعيد للثقافة" في "المتحف الوطني في بيروت"، يجمع الفنان الإيطالي العالمي إنزو كوكي والفنان اللبناني الإيطالي جيلبير الحلبي، إلى جانب مختارات من أعمال عدد من أبرز رسّامي الفن اللبناني الحديث، في حوار بصري تنسجه شجرة الصنوبر بوصفها رمزًا مشتركًا بين ضفتَي البحر الأبيض المتوسط. ويُشكّل هذا المعرض ثمرة تعاون بين "جناح نهاد السعيد للثقافة" و "السفارة الإيطالية في لبنان"، بدعم من "قيادة وحدات الكارابينييري للغابات والبيئة والأمن الغذائي" الإيطالية، في تجسيد لما يصفه منظموه بـ "الدبلوماسية الثقافية" التي توظّف الفن لتعزيز الحوار بين البلدَين. ويتزامن المعرض مع إصدار ثلاثة كتب تُثري الحوار الفني والتاريخي؛ الأول عن أعمال إنزو كوكي، والثاني عن أعمال جيلبير الحلبي، والثالث بعنوان "حرج الصنوبر في الفن اللبناني"، من إعداد صالح بركات، يضم مختارات من رسومات الفن اللبناني الحديث.
الفن والطبيعة والذاكرة
القيّمة الفنية على معرض "أصداء الوجود"، موريال الأسمر، تلفت في حديثها مع "نداء الوطن"، إلى أنّ عنوانه (أصداء الوجود) يجسّد فكرة امتداد العلاقة بين الإنسان والطبيعة والذاكرة والهوية عبر الأجيال، حيث يشبه الصدى الروابط الثقافية والعاطفية التي تستمر في التردد وتتوارثها الأجيال. أما شجرة الصنوبر المتوسطي التي ينطلق المعرض منها، فتُشكّل رمزًا يحمل التاريخ والهوية والقيم المشتركة بين لبنان وإيطاليا، ليُقيم حوارًا بصريًّا بين أعمال الفنانَين اللبناني جيلبير الحلبي والإيطالي إنزو كوكي، إلى جانب أعمال لفنانين لبنانيين رواد، فيكشف كيف يمكن للرمز الواحد أن يتجسد في رؤى فنية متعددة، مع احتفاظه بجذوره المتوسطية المشتركة.
اختيار شجرة الصنوبر لم يكن اعتباطيًا، بحسب الأسمر، إذ تشكل جزءًا أصيلا من المشهد الطبيعي في البلدين، وتتجاوز كونها عنصرًا نباتيًا لتصبح رمزًا للصمود والاستمرارية. كما تحمل الشجرة بعدًا بيئيًا يكرّس مفهوم المسؤولية المشتركة تجاه الطبيعة، وهو ما تعززه مشاركة "وحدة التنوع البيولوجي والغابات" التابعة لـ "قوات الكارابينييري الإيطالية"، التي تسلّط الضوء على أهمية حماية الغابات والتنوع البيولوجي والأنظمة البيئية المتوسطية الهشة.
البعد الجمالي والوعي البيئي
وهكذا، لا يكتفي معرض "أصداء الوجود" بالبعد الجمالي، بل يسعى أيضًا إلى ترسيخ الوعي البيئي، من خلال إبراز التحديات التي تواجه الغابات. وتعتبر الأسمر أن نجاح المعرض يُقاس بقدرته على دفع الزوار إلى تقدير الطبيعة بصورة أعمق، وتعزيز إحساسهم بالمسؤولية تجاه الحفاظ عليها للأجيال المقبلة. فيما تأمل أن يغادر الزوار المعرض وهم أكثر اقتناعًا بقدرة الفن على بناء الجسور بين الثقافات والأجيال والشعوب، وأن يدركوا كيف يمكن لرمز واحد، كشجرة الصنوبر، أن يحمل دلالات وقصصًا متعددة تختلف باختلاف نظرة كل متلقٍ، في تجربة فنية تؤكد استمرارية التقاليد الفنية وتطورها مع بقائها متصلة بجذورها.
من جهته، يرى الفنان الإيطالي إنزو كوكي أن التجربة الفنية تبدأ من الإحساس قبل أي شيء آخر، ولذلك أراد لجداريته الضخمة، التي تستقبل زوار المعرض عند المدخل، أن تكون مساحة لإثارة المشاعر، معتبرًا أن العمل الفني الحقيقي هو ذاك الذي يحمل العاطفة في داخله، لتبقى قادرة على الانتقال إلى المتلقي باستمرار. أما بيروت فتحضر بقوّة في لوحاته المعروضة ضمن المعرض، إذ يصفها في حديثه مع "نداء الوطن" بأنها ربما تكون أقدم مدينة وأكثرها أسطورية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط حيث يولد فيها الشعر والرموز باستمرار، في الماضي والحاضر والمستقبل، مشيرًا إلى كونها تشكل مركزًا حضاريًّا آملا أن تكون أعماله قد استوعبت شيئًا من خصائصها وروحها.
وفي حديثه عن الحوار الفني الذي يجمعه بجيلبير الحلبي، يعبّر كوكي عن إعجابه الكبير بالفنان اللبناني ويصفه بأنه من أكثر الأشخاص ذكاءً وأناقةً ممّن التقاهم في روما، ومؤكِّدًا المكانة الرفيعة التي يحتلّها في عالم الرسم. ويرى أنّ الأعمال الفنية هي التي تتحاور فيما بينها وتختار بعضها بعضًا، فتلتقي أو تفترق وفق منطق الفن ذاته، بينما لا يكون الفنانون سوى وسطاء أو قنوات لهذا الحوار العظيم الذي بدأ منذ زمن بعيد، قبل وجودهم.
وكل ما يأمله كوكي هو أن يشعر زوار المعرض بالعاطفة التي تحملها أعماله، مؤكدًا أنّ المعنى لا يفرضه الفنان، بل يولد في عين كل من يتأمل العمل الفني، ليبقى دور الرسام مقتصرًا على الامتنان والقلق الذي يرافق لحظة عرض أعماله أمام الجمهور.
الصنوبر وصنين والطفولة
بدوره، يوضح الفنان جيلبير الحلبي أن حضور شجرة الصنوبر يرتبط بعلاقة شخصية تعود إلى طفولته في ضهور الشوير، حيث أمضى سنواته الأولى بين غابات الصنوبر التي لا تزال تشكل جزءًا من ذاكرته البصرية والوجدانية. ويستعيد الفنان تلك الأشجار التي كانت، في نظره، تشق السماء وترتفع نحو الأعالي، لتتحول مع مرور الزمن إلى رمز راسخ في مخيلته الفنية، يحمل معاني الارتقاء والحرية والانتماء.
أما لوحة "صنين"، فتنبع من تجربة معيشة امتدت ثلاثة وعشرين عامًا في لبنان، حيث اعتاد أن يتأمل الجبل من نافذة منزله. ولم يكن المشهد بالنسبة إليه مجرد منظر طبيعي، بل أفقًا مفتوحًا للخيال، إذ كان يتساءل دائمًا عمّا يكمن وراء الجبل، وهو ما أسهم، بحسب تعبيره، في توسيع آفاقه، ولا سيما على المستوى الفني.
وعن علاقته بالفنان إنزو كوكي، يصفها الحلبي في حديثه مع "نداء الوطن" بأنها تتجاوز إطار التعاون الفني لتصل إلى مستوى الصداقة المتينة؛ فهو على تواصل دائم معه، ويلتقيه ويتحدث إليه بشكل شبه يومي في روما. ويشير الحلبي إلى أن ثمّة رابطًا مشتركًا بينهما يتمثل في شغفهما بشجرة الصنوبر، إذ يرسمها كوكي أيضًا ويعتبرها بمثابة "صديق مشترك" يجمع بين عالمَيهما الفنيَّين، آملا من جهته أن يخرج الزائر من المعرض بابتسامة تبقى معه، وأن تتحوّل التجربة إلى ذكرى جميلة ودائمة ترافقه في حياته.