يمرّ يومياً عدد كبير من الأخبار الأمنية على المواقع الإخبارية والوسائل الإعلامية عن وفاة أشخاص أو احتراق سيارات، إلا أن حادثة احتراق سيارة في وادي تنورين بتاريخ 24/11/2024، كانت مختلفة تماماً، حيث تكشفت عنها تفاصيل غريبة ومثيرة للجدل.
في التاريخ المذكور أعلاه، ورد خبر يفيد العثور على جثة محروقة داخل سيارة في وادي تنورين، تعود ملكيتها للمواطن (ي.ن) من مواليد 1967 في تنورين الفوقا. أشارت التقارير الأولية إلى أن الحادث قد يكون نتيجة احتراق عرضي، وبدأت الأجهزة الأمنية تحقيقاتها لكشف ملابسات الحادث وهوية صاحب الجثة.
ما زاد من الغموض هو أن (ي.ن) كان مغترباً لبنانياً عاد مؤخراً من كندا بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الغياب. بعد عودته، لفت (ي.ن) أهالي بلدته بكرمه وأعماله الخيرية التي شملت دعوة راهبات مدرسة محلية للتكريم وتقديم المساعدات المالية للمحتاجين، ما أكسبه تعاطف أهالي البلدة معه وإعجابهم بسلوكه.
وفي إحدى الليالي، ضجّت البلدة بخبر احتراق سيارة (ي.ن) ووفاته بداخلها، خلال عودته من حفل عشاء إلى تنورين، ممّا أثار موجة حزن كبيرة بين أهالي البلدة.
إلا أن الخبر لم يمرّ مرور الكرام لدى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، التي لاحظت، خلال تحقيقاتها الأولية، تفاصيل أثارت شكوكها بشأن صحة الرواية. فصدر عن المديرية العامة بيان رسمي أوضح أن السيارة المحروقة من نوع داتسون، ووجدت فيها جثة خلف المقود، إضافة إلى بيان قيد إفرادي ووثيقة بيع السيارة.
توسّعت الشعبة بتحقيقاتها التي أثبتت شكوكها بأن الحريق قد يكون مفتعلاً. حيث بيّنت التحقيقات أن الجثة المتفحمة بداخل السيارة لا تنطبق عليها أوصاف (ي.ن) من حيث الحجم. وبعد المتابعة التقنية والفنية، تبين أن (ي.ن) لا يزال على قيد الحياة، وأنه غادر موقع الحادث بسيارة مستأجرة نوع "كيا" باتجاه محافظة جبل لبنان حيث توارى عن الأنظار.
بتاريخ 29/11/2024، تمكنت دورية من شعبة المعلومات من توقيف (ي.ن) في منزله المستأجر في سن الفيل. وخلال التحقيق معه، اعترف بأنّه خطّط مسبقاً لعملية تزوير وفاته بهدف الاستفادة من بوليصة التأمين على حياته في كندا، والتي تبلغ قيمتها 500,000 دولار كندي، اضافة الى تأمين سفر بقيمة 100,000 دولار كندي. وحدّد المستفيدتين من الأموال، وهما شقيقته وابنته المقيمتان في كندا.
الجزء الأفظع من القصة، هو ما تكشّف بشأن الجثة التي عثر عليها في السيارة. فقد كشفت التحقيقات أنّ (ي.ن) سرق جثة من مدافن بلدته تنورين تعود للمرحوم (ج. س) من مواليد 1954، ووضعها في سيارة قديمة اشتراها خصيصاً لهذه الغاية. سكب البنزين على السيارة وأضرم فيها النيران ودفعها نحو أحد المنحدرات في البلدة. كما وضع بيان قيده ووثيقة بيع السيارة بالقرب منها لإيهام الأجهزة الأمنية وأبناء البلدة بوفاته.
تزامناً اكتشف المحققون أن (ي.ن) اشترى مدفناً في بلدة شاتين المجاورة ودوّن اسمه عليه مع تاريخ وفاته. هذا الأمر أثار ريبة المحققين ودفعهم لفحص الحمض النووي (DNA) للجثة المحترقة. جاءت النتيجة صادمة: الجثة تعود للمرحوم (ج. س) وليس لـ(ي.ن).
بعد مرور أربعين يوماً على الحادثة، تم تحويل (ي.ن) إلى القضاء المختص لاستكمال التحقيقات. الملف بات بين يدي قاضي التحقيق الأول في الشمال، القاضية سمارندا نصار، التي تتابع تفاصيل هذه القضية الجنائية المعقدة.
لا تزال هناك أسئلة حول دوافع (ي.ن)، وتساؤلات عدة تطرح: هل كان يسعى لتحقيق مكاسب مادية فقط؟ أم أن هناك أسباباً أعمق خلف هذا المخطط؟ التحقيقات القضائية ستكشف المزيد عن هذه الحادثة التي هزت تنورين والجوار.
تبقى هذه الواقعة، التي تكاد تشبه سيناريو فيلم هندي أو مكسيكي، تذكيراً بضرورة التحقق الدقيق من كل الملابسات المحيطة بأي حادثة غير اعتيادية، خصوصاً عندما تتداخل فيها محاولات التلاعب بالحقيقة مع المشاعر الإنسانية. وتنتظر بلدة تنورين، ومعها لبنان، النتائج النهائية للتحقيق لتطوي هذه الصفحة الغريبة من تاريخها.