لا نستطيع أن نؤكّد وجود تقاطُع مصالح حقيقي بين إسرائيل و"حزب الله"، ولكننا نستطيع أن نجزم بأنَّ الصراع الحالي يتجاوز بكثير الثنائية المباشرة بين إسرائيل و"الحزب"، ليُصبِح جزءاً من شبكة معقّدة من حسابات النفوذ الإقليمي وتحديداً الدور الإيراني وأوراق القوّة التي توظّفها طهران في المنطقة...
يستخدم "حزب الله" جبهة الجنوب ضمن قواعد اشتباك تخدم استراتيجية "الإسناد" الإقليمية لمحور "المُمانعة" بقيادة إيران.. وتتقاطع أجندة طهران النووية والإقليمية مع أدوات الضغط العسكرية التي تمتلكها عبر الحدود اللبنانية من خلال "الحزب"...
فإسرائيل تتخذ من وجود سلاح "حزب الله" مبرّراً للبقاء العسكري وفَرض منطقة أمنية في الجنوب، بينما يستغلّ "الحزب" الإعتداءات والإحتلال لاستمرار التمسُّك بسلاحه بحجّة الدفاع، وسط ضغوط رسمية من الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيد الجيش...
لقد أعلنت تل أبيب رسمياً على لسان وزير الدفاع يسرائيل كاتس رفض الإنسحاب من الأراضي اللبنانية قبل تفكيك البنية العسكرية ونزع سلاح "الحزب" بشكل تام وضمان أمن حدودها الشمالية.. فيما يربط "الحزب" أيّ نقاش حول مصير سلاحه بوقف الإعتداءات والإنسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة النازحين، متهِماً مسار المفاوضات التي تجريها السلطة اللبنانية بالخضوع والإستسلام.. في حين تتبنّى الحكومة اللبنانية ورئاسة الجمهورية توجُّهاً رسمياً لحصر السلاح ببد المؤسّسات الشرعية وتطبيق "اتفاق الإطار"، رغم التعثُّر المستمرّ بسبب الخروقات الميدانية وحالة اللاحسم...
كل طرف يغذّي بقاء الطرف الآخر، فالعمليات العسكرية والإحتلال الإسرائيلي يعطيان "الحزب" الحجّة للإحتفاظ بسلاحه، والبقاء المسلّح ل"الحزب" يمنح إسرائيل الغطاء لاستمرار العمليات العسكرية والرفض الاستراتيجي للإنسحاب...
يُمثِِّل قرار تسليم سلاح "حزب الله" للدولة اللبنانية عقدة إقليمية متشابكة ترتبط استراتيجياً بالقرار الإيراني ورغبة طهران في مقايضة نفوذها العسكري بملفات ومكاسب كبرى على الطاولة الدولية، ممّا يجعل الأزمة اللبنانية أعمق من كونها مسألة محلية بحتة.. فأيّ تغيُّر في وضع سلاح "الحزب"لن يتمّ بمعزل عن تفاهمات شاملة.. إمّا بتسويات كبرى تشمل الدور الإيراني وملفات المنطقة، أو بصدام عسكري شامل يُغيّر معادلات السلطة في طهران...
يعيش لبنان مأزقاً سياسياً وميدانياً، إذ تتجمّد الحلول وتدخل المفاوضات مرحلة مراوحة قاتمة مع ترقُّب الإستحقاق الإنتخابي الإسرائيلي، ويسعى حزب "ليكود" بزعامة نتنياهو، إلى تعزيز مصداقيته لدى الناخبين فيما يتعلّق بالملفّ الأمني قبل الإنتخابات المُقرَّرة في27 تشرين الأول.. بينما تتجنّب واشنطن الضغط الفعلي بانتظار اتضاح المشهد السياسي...
لبنان أمام فرصة تاريخية للإستفادة من وجود الرئيس (الذي يحبّ لبنان) دونالد ترامب على رأس الولايات المتحدة مع وجود شخصيات بارزة من أصول لبنانية داخل الإدارة الأميركية مثل المستشار لشؤون الشرق الأوسط مسعد بولس وغيره، ما يفتح الباب أمام فرصة جدّية لمساندة الجيش في حصر السلاح وبسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية والإنسحاب الإسرائيلي ودعم الإقتصاد وإعادة الإعمار...
الحليف القوي لا يحميكَ بقوّته فحسب.. بل يمنحكَ هيبة تجعل غيركَ يفكّر ألف مرّة قبل النيل منك.
باحث وكاتب سياسي