بين جمهور الغناء والباحثين في أنماطها، نقاش قديم ومتواصل حول مقوّمات الأغنية الشعبية والأغنية الكلاسيكيّة، وأي النوعين هو الأرفع والأبقى في تاريخ الغناء. ولأننا في زمن بات فيه إبداء الرأي غير مقتصر على أصحاب العلم والمعرفة، فقد صار كلّ من يملك حساباً على مواقع التواصل وتطبيقاته "مرجعاً" غير قابل للنقاش في السياسة والعلم والثقافة والفن وسواها من شؤون الحياة.
رحيل المغنّي المصري الشعبي أحمد عدوية في 29 كانون الأول الماضي، فتح باب النقاش على القيمة الفنّية للنمط الغنائي الذي قدّمه خلال سنوات نجوميّته، بين من اعتبره من الجيل الكلاسيكي للأغنية المصرية ومن رأى فيه بداية مرحلة انتكاسة لهذه الأغنية العريقة.
يصف الباحث في تاريخ الغناء المصري محمد دياب، ظهور عدويّة، ونجاحه وانتشاره الكبيرين، في حقبة من سبعينيات القرن العشرين، بالـ "انتكاسة للموسيقى والغناء المصريّين". ويقول إنّ بداية ظهور عدوية ترافقت وبداية ظهور "الكاسيت"، بعد مرحلة "الأسطوانة البلاستيكيّة"، بأسعار تسمح للكل شراءها. علماً أنّ لجنة التصنيف في الإذاعة المصريّة رفضت اعتماده فيها لكونها وجدت أداءه غير سليم، طالبةً منه تدريب صوته والعودة ثانية لإيجاز بث أغانيه إذاعياً. عاد ثانية وتكرّر الرفض، فاستغنى عن الإذاعة بشريط "الكاسيت"، وبقيت أغنياته غائبةً عن أثير البث الإذاعي.
ويشرح دياب لــ "نداء الوطن" أنّ في مصر جهتيْ رقابة: الرقابة على المصنّفات الفنية، التي تجيز طباعة الأغاني على الأسطوانات والكاسيتات، ورقابة الإذاعة الأقسى من الرقابة على المصنّفات، لاعتبار أنّ مستمعي الإذاعة من كل الفئات والأعمار، ومهمّة الإذاعة الارتقاء بالذوق العام من خلال عدم السماح ببث أغنيات مبتذلة لا تراعي المعايير الموضوعة.

بين رشدي وعدويّة
يوضح دياب أننا "إذا اعتبرنا أنّ عدويّة قدّم اللّون الشعبي كما يقول بعض النقاد، فهو لم يقدّم اللون الشعبي الذي عرفناه من بدايات القرن العشرين، والذي تُوّج في الحقبة الناصريّة والاشتراكية بأغنيات الفنان محمد رشدي، الذي كان يُنشد للعمال في المصانع والفلاحين في المزارع وطبقة "البروليتاريا"، وكان الغناء عنده مزيجاً من اللونَيْن الشعبي والوطني معاً".
ويرى دياب أنّ زمن الصعود الفني لرشدي تزامن وحضور "أستاذه" في الغناء الشعبي محمد عبد المطّلب. لكنّه يرى أنّ رشدي هو أوّل من قدّم اللون الشعبي بالنمط الذي نعرفه، وكان الفضل في ذلك للشاعر محمد الأبنودي والملحّن بليغ حمدي، وقد كان هذا النمط نتاج تجربتهما في الأصل. ثم تابع محمد رشدي المشوار بعدما انسحبا من مشهده، وتابعاه مع عبد الحليم حافظ اعتباراً من سنة 1966.
ويقول دياب إنّ رشدي بقي موجوداً على الساحة في السبعينيّات، إنما مع الانتكاسة التي حصلت لـ "ثورة يوليو" (1952) من خلال "ثورة التصحيح" (1971) التي قام بها الرئيس أنور السادات، صعد نجم أحمد عدويّة الذي يمكن أن نقول إنه كان يمثّل "عصر السادات" أكثر من تمثيله "عصر الانفتاح"، أي عصر صعود طبقة الحرفيين والعمّال اليدويين. وأفضل ما يمثّل هذا الصعود، فيلم "انتبهوا أيها السادة" الذي نرى فيه شابّة تترك خطيبها الأستاذ الجامعي من أجل عامل نظافة، لأنه قادر على تأمين شقة يسكنان فيها بعد الزواج، بينما الأستاذ الجامعي غير قادر على ذلك!
الشعبيّة والعشوائية
عدوية الذي كان يمثّل ذاك العصر في الأغنية أفضل تمثيل، يصف الصحافي محمد دياب غناءه بأنه لم يكن شعبيّاً بل غناء عشوائي. وفي توضيح لرأيه وفي استكمال للمقارنة بين عدويّة ورشدي، يشرح أنّ عبد المطّلب ورشدي إذا كانا يغنّيان للمناطق الشعبية كحيّ "السيدة زينب" و "الحسين" والمناطق المشابهة، فعدويّة أخذ يغنّي للطبقة "الطفيلية" الجديدة، أي للحرفيين الذين صعدوا مادياً. بكلام آخر، لم يكن أحمد عدويّة يغنّي اللون الشعبي الذي اعتاده المصريّون، بل "لبديل المناطق الشعبية التي كنّا نعرفها، والتي صارت المناطق العشوائية، وقد ظهر مطربون يمثّلون هذه المناطق ويغنّون لها ولناسها".
وعن تلك المناطق يقول دياب إنها "ظهرت في عهد السادات، عندما قدم مواطنون نازحون من القرى واشتروا أراضي مناطق زراعية وبنوا عليها منازل بطريقة عشوائية تفتقر إلى الخدمات وأي منظر حضري، ويعيش فيها عدد كبير من الأشخاص. هؤلاء كانوا جمهور الغناء "الهابط" الذي ظهر في ما بعد، وأوصلنا إلى "أغاني المهرجانات" وفناني هذا النمط من الأغاني الذي يفتقد إلى مقوّمات الغناء والموسيقى الحقيقية".
وعن ظروف ظهور عدوية، يرى دياب أنه تزامن والسنوات الأخيرة لحضور الفنانين الكبار في مصر، أي قبل وفاة فريد الأطرش (كانون الأول 1974) وأم كلثوم (شباط 1975) وعبد الحليم حافظ (آذار 1977). ويستذكر الناقد محمد دياب الصورة الشهيرة التي التقطها المصوّر فاروق ابراهيم في أحد كازينوات "شارع الهرم" الشهير، ليلتها أمسك حليم الميكروفون وغنّى أغنية عدويّة الشهيرة "السح الدح امبو"، وردّ عدويّة التحيّة بالمثل فغنّى لعبد الحليم "خسارة يا جارة".
يومذاك أراد عبد الحليم حافظ أن يفهم "ظاهرة أحمد عدويّة"، الذي فاقت مبيعات شرائطه وأسطواناته مبيعات شرائط كاسيت وأسطوانات عبد الحليم حافظ نفسه وكبار المطربين والمطربات في مصر. ويعطي دياب مثلاً آخر عن المغنّية الشعبية ليلى نظمي صاحبة أغنية "ما اشربش الشاي" التي كانت تبيع في السبعينات أسطوانات تفوق مبيعات أسطوانات أم كلثوم. ليلى نظمي ما زالت حيّة ترزق إلى اليوم، لكن من يذكرها؟ ومثلها أحمد عدويّة، الناس "تمجّده" لكن من منهم بقي يسمعه؟ يقول دياب.
تمجيد يساريّ
يرى دياب أنّ "التمجيد" بأغنيات أحمد عدويّة قادته فئة من اليسار، الذي يكره أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وأنماطهم الغنائيّة. هؤلاء يستخدمون تعابير "كليشيهات" مثل "الأغنية البديلة"، فيعتبرون أعمال عدويّة من الكلاسيكيات، لكن "لأ هو مش فن عظيم. الفن الهابط مهما عدّى عليه الزمن لا يصبح فناً عظيماً. الفن الهابط يبقى هابطاً". ويتابع: "منذ الحرب العالمية الأولى ظهر من كان يُطلق عليهنّ في مصر "العوالم" اللواتي كنّ يؤدّين الأغنيات الماجنة الخليعة، فهل لأنها أغنيات قديمة نعتبرها اليوم "كلاسيكيات"؟ الكلاسيكيات لها مقومات معيّنة".
ظاهرة أحمد عدويّة بالنسبة للباحث محمد دياب، أخذت مساحتها ووقتها. "أعتقد انها لم تستمر أكثر من 10 سنوات، ثم انتهت بعد أزمته الصحية التي نجمت عن حادثة الاعتداء التي تعرّض لها من أحد الأشخاص. لكنّه في السنوات القليلة الماضية، بقي يطل في كازينوات وكباريهات وفنادق يغني وهو جالس لمن تبقّى من "السمّيعة" الذين عاصروا زمنه.