كوليت مرشليان

في المسرح ما يملّه الكبار يملّه الصغار أيضاً

آدون خوري: الطفل ناقد صعب لا يرحم ولا يُجامل

5 دقائق للقراءة
من عرض "أنا لمّا إكبر"

درس المخرج والممثل اللبناني آدون خوري في "كليّة الفنون" بـ "الجامعة اللبنانية"، وتعمّق في المسرح والتمثيل قبل أن يختار طريقه في أعمال انتقائيّة تتجاوب مع طروحاته الفنيّة. في نهاية الصيف المنصرم، كان بصدد التحضير لمسرحيّة بعنوان "راديو ترانزيستور" لكنّ اندلاع الحرب أرجأ تقديمها. غير أنّ اتصالاً من مديرة "مسرح المونو" جوزيان بولس، شجّعه على المضي بعمل خاص بمسرح الدمى كان قد أعدّه مسبقاً كتابةً وإخراجاً، وهو بعنوان "أنا لمّا إكبر".

خلال سنوات الدراسة في الجامعة، تعرّف آدون خوري إلى "مسرح الدمى" من خلال أعمال المسرحيّ كريم دكروب، وعمل معه سنوات طويلة وفي عروض عديدة. كما شارك في جمعيّة "خيال" منذ العام 2006 حيث قدّمت الجمعية أعمالاً في الخارج، ومع جمعيّة "إبتسامة" التي كانت تقدّم عروضاً للأطفال في المستشفيات.

وفي عام 2022 قدّم خوري مسرحيّة "شي متل الكذب" المقتبسة عن ديوان والده الشاعر الراحل موريس عوّاد (20 شباط 1934 – 9 ك1 2018) "ألوان ع بعضا"، إلى جانب الممثلة يارا زخّور، وتميّز العمل الذي يقوم على الكوميديا السوداء بحرفيّة مميزة إخراجاً وتمثيلاً.


مسرح الجمهور الصعب

أما عن دوره كمخرج وكاتب لمسرحيّات الدمى، فيشرح آدون خوري أنّ الإخراج في أعمال الدمى المتحركة لا يقتصر على دور محدّد له، بل هو يبدأ من الفكرة وينتهي عند الافتتاح والعرض. مع كلّ ما يشمله هذا النوع من المسرح من تصنيع للدمى، إلى ديكورات، وأزياء، وموسيقى، وأغان بكلماتها وألحانها، وصولاً إلى حين العرض في تحريك الدمى وجعلها تأخذ شخصياتها، كلّ واحدة على حدة، معتبراً بذلك أن مسرح الدمى من أصعب العروض المسرحيّة، خاصةً أنه يتوجه إلى الصغار الذين يشكلون جمهوراً صعباً على عكس ما يعتقده البعض.

وحول مضمون "أنا لمّا إكبر"، يقول خوري لـ "نداء الوطن" إنّ أحداث العرض المسرحيّ تدور حول صبيّ ابن عشر سنوات، يحلم دوماً بأن يصبح بهلواناً يمشي على حبل في "سيرك"، فيمضي كلّ طفولته وهو يتمرّن لتحقيق هذا الهدف، فيما كلّ مَن حوله يهزأ منه. إلى حين أصبح محترفاً، وأخذ أهل القرية يستعينون به دوماً في كلّ ما يتعلقّ بالعلوّ، وخاصةً حين غرقت القرية بالمياه ذات يوم بعد طوفان كبير. كان هو المنقذ الوحيد، فقرّر الجميع بعدها تحقيق حلمه.


التساهل ممنوع

وعن التعامل مع الأطفال، يعتبر خوري أنّ ذلك من أصعب الأمور. فالطفل يلعب دور الناقد، وهو لا يستهان به لأنه لا يرحم ولا يجامل. "الولد لوح خام ولا يمكن التساهل في تقديم عمل له، وأيّ مراوغة أو خطأ يكتشفهما بسرعة قبل الشخص الناضج. فإذا استخففنا بالطفل يفهم ذلك، من هنا ينبغي التشديد على أنّ مسرح الطفل لا يقلّ شأناً عن مسرح الكبار. وكلّ عمل يستمتع به الصغار والكبار في آن واحد، يكون على الطريق الصحيح، وما يملّه الكبار يملّه الصغار ايضاً".

يركّز كاتب العمل أيضاً على ضرورة نقل الواقع كما هو للأطفال. ففي العرض تدور أحاديث في السياسة والانتخابات بين شخصيتين، المختار وصاحب دكان. ويسأل خوري: "ألا يسمع الأولاد أحاديث السياسة والحروب في بيوتهم ومجتمعاتهم؟ من هنا، من غير المقبول بعد اليوم أن نتوجّه في المسرح إلى الصغار وكأنهم دون مستوى العلوم والوقائع التي تدور من حولهم. وأنا شخصياً أضفت مقاطع توجيهية للمشاهدين الصغار فشرحت لهم في حوارات وفي أغنيات أنّه لا يمكنهم تقليد بطل المسرحيّة في ألعابه البهلوانية، لأنها تشكّل خطراً عليهم، وأنّ البطل حتى بلغ الإحتراف تمرّن سنوات طويلة لبلوغ هذه النتيجة. كلّ ذلك في أغنية عنوانها "أوعا" تشرح أنّ التمرين الطويل المدى هو الذي يقود إلى الاحتراف".


صناعة الدمى

عندما نتحدّث عن عرض قائم على تحريك الدمى أمام المشاهد، من البديهي أن نسأل عن تصنيع الدمى. يجيبنا الممثّل والمخرج آدون خوري أنه استعان بوليد دكروب، الذي درس السينوغرافيا في روسيا، والذي يصنّع الدمى بحسب الشخصيات التي وضعها الكاتب، ويضع لكل شخصية أكثر من احتمال. أضاف: "ثمّة شخصيات اكتفينا برمز لها. فمثلاً والدة رواد، الصبي الذي يحلم، ليس لها وجه، بل هي مجرد يد تدل، تنبّه، تنذر بالخطر، توجّه وأحياناً تعاقب وتشير بإصبعها. أما أهالي الحيّ، فهم مجرد رؤوس تتحرك من ضمن جماعة".

هنا يشير خوري، إلى أن ليس في لبنان ما يطمح له المخرج في إعداد تفاصيل الدمى، لذا ينبغي أن يُصنّع كلّ ما يحتاجه العرض، خاصة أنّ ما يقدّمه العمل هو " Marionnettes de table" أي "دمى الطاولة" التي يتمّ تحريكها ضمن غرفة مظلمة.


تفاعل الجمهور

أما عن ردّات فعل جمهور مسرح الدمى من الصغار، فيخبرنا خوري أنّ عند انتهاء العرض غالباً ما يقترب الأولاد من المسرح ويتعاملون مع الدمى على أنها شخصيات حيّة. فهناك من يضربها أو يمارس سلطته عليها، ذلك لأنّ الدمية طيّعة على المسرح، بحيث يمكن أن "نقتلها" مثلاً ثم تعيش، فهي ليست إنساناً لكنها تلعب دوره مع إضافات.

عرض "أنا لمّا إكبر" يشارك فيه، إلى خوري، الممثّلة يارا زخّور التي، فضلاً عن التحريك، تهب صوتها لأربعة أدوار مختلفة. كذلك الممثل طوني فرح. موسيقى الأغنيات لمجد عقيقي وفؤاد يمّين وآدون خوري. أما العمل فمن إنتاج "مسرح المونو" حيث ستُعاود العروض العامّة بعد موسم الأعياد، إلى جانب عروض خاصة بتلامذة المدارس. ومن المرتقب أن ينتقل فريق المسرحيّة إلى باريس في وقت لاحق، ليقدّم عروضه هناك، بدعوة من "معهد العالم العربي".



دمى للكبار

عن احتمال العمل على مسرحيات دمى متحرّكة لكن للكبار، يعتبر آدون خوري أنّ هذا النوع من العروض تمّ اختباره على شاشة التلفزيون وفي أكثر من عمل، لكنّه يطمح لتقديمه على خشبة المسرح، وهو واحد من أحلامه للمستقبل. ويعتبر أنّ مسرح الدمى يغيب ثم يعود، إنّما لا يتوقف لأنّ الدمية قد تلعب أدواراً مهمة في جوانب عدّة، حتى أنها تُستخدم اليوم في العلاج النفسي، حيث يقدّم المعالج دمية للمريض ليتحاور معها بحريّة. قد يخاطبها أو يضربها أو يتّهمها، بما قد يساهم في مسار شفائه. 



أبو روكز في دكّانه



آدون خوري متحدّثاً إلى "نداء الوطن"



دمى العرض



يطمح لتقديم عروض دمى للكبار على المسرح