أناس مفلسون فكرياً وسياسياً، لا أعلم لماذا لا يزالون يتصدّرون الشاشات.
هل السبب أن هذه الشاشات تروّج للجهل وتتواطأ معهم، أم أنّ الأمر لا يتجاوز مجرّد تعبئة الهواء لغياب البديل؟ الإعلام، في رأيي، ليس هرجاً ومرجاً كما يدّعي بعضهم تحت شعار "أنا إعلامي حر". عملياً، لا وجود لإعلامي "حرّ"؛ بل هناك إعلامي يؤدي دوراً ورسالة تخدم مشروعاً ما.
والأمانة تقتضي القول إننا اليوم لا نملك إعلاميين حقيقيين، بل أبواقاً متفاصحة تفتقر إلى المعرفة. أمّا أولئك الذين يمثّلون الصحافة الحقيقية، فهم جهود فردية متناثرة، غالباً ما يكون مصيرهم النسيان والتهميش.
الفكر لا يجوز أن يكون "حراً" بشكل مطلق، بل يجب أن يخضع للتوجيه والتحديد.
هذا لا يعني إلغاء الحرية، بل الحديث هنا يدور حول كيفية إدارة الحرية، وكيف تُستخدم من قِبل الحكومات واللوبيات والإمبراطوريات الإعلامية لخدمة مصالح القوى الكبرى.
لا يمكننا إنكار الدور المؤثر للإعلام الرقمي في حركات مثل النسوية، أو الصحف الكبرى كـ The Guardian و The Washington Post، التي كشفت فضائح كبرى، مثل تسريبات إدوارد سنودن التي فضحت برامج التجسس الحكومية. أو دور الإعلام في دعم حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة، التي قادت إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في إسقاط أنظمة استبدادية، وكشفت سياسات التعذيب، مثل ما حدث في سجن صيدنايا.
لكن الأهم من كل ذلك هو الانتباه لتأثير الإعلام على المجتمعات اليوم.
ما نشهده ليس تطوّراً إنسانياً بقدر ما هو تدمير ذاتي بفعل الحداثة وإشكالياتها، من خلال نشر ثقافة التشابه وخطاب الكراهية. حادثة "الكابيتول" في الولايات المتحدة، وفضيحة "كامبريدج أناليتيكا" التي استُخدمت فيها البيانات لتوجيه السلوك السياسي، كلها أمثلة على هذا الوجه المظلم.
إذاً، ماذا يعني "الفكر الحر" اليوم؟
الحرية في القرن الواحد والعشرين ليست إلاّ مصطلحاً مشوهاً يهدف إلى هدم القيم دون بناء بديل واضح. إنها أداة لتشويه الحقائق، وزرع الفوضى، وخلق حالة من العبث تهدّد أمن واستقرار المجتمعات.
في الواقع، الحرية اليوم تعني أن تكون عبداً للأنظمة، رقماً في قواعد البيانات، مستباحاً ومخترقاً ومراقباً ومستغلاً. إنها همجية مغطاة بزخارف التكنولوجيا. فلا عجب أن نرى التافهين والمنحرفين يتصدرون المشهد، معتبرين أن هذا هو "معنى الحرية".
أخجل من بعض دعاة الثقافة الذين يروّجون لحريّة بلا مفهوم واضح.
هذا الاستنساخ الثقافي العشوائي يهدّد الخصوصية الثقافية والقيم المحلية. نحن نعيش اليوم حالة من العنف والتوحّش تحت مسمى الحرية، مما يدفع للتساؤل: هل الحرية أصبحت مقدمة لعنف من نوع جديد؟
باسم الحرية والتقدم، أصبح الإنسان فأر تجارب في مختبرات الحداثة.
هذه التجارب جردته من ملكاته الإنسانية، ووضعت البشرية في حالة من الاغتراب الممنهج، حيث يظن الإنسان أنه يعيش عصر التقدم، بينما هو في الحقيقة يعيش شكلاً جديداً من العصور الحجرية الذكية.
بدل أن تكون الحرية عنواناً للعدالة والسعادة، أصبحت رمزاً للطبقية والجشع والانحطاط.
إن ما نعيشه اليوم ليس إلا عصراً يسوده البؤس والسطحية والتفاهة. وكما قيل:
"إن الأفاعي وإن لانت ملامسها، عند التقلب في أنيابها العطب."