يبدو أنّ اللبنانيين قد توصلوا، في الآونة الأخيرة، إلى اتفاق غير معلن على «عدم الاتفاق»، حيث تحوّلت الساحة اللبنانية إلى ميدان دائم للجدل والنقاشات الحادة على مختلف القضايا السياسية، الاجتماعية والاقتصادية. أضيف إليها اختلاف جديد يوم أمس تمثّل في استضافة برنامج تلفزيوني أطفالاً، لم تتجاوز أعمارهم الإثني عشر عاماً، من خلفيات طائفية وسياسية متنوعة، أو ربما ينبغي القول، من عائلات تتبنّى توجهات سياسية متصارعة على أرض الواقع.
استضاف برنامج «ميني مافيا» عبر قناة «الجديد» مساء السبت، الطفل مجتبى (11 سنة)، ممثِّلاً «حزب الله»، ولقبه «ابن المقاومة»، وشربل (10 سنوات)، ممثِّلاً حزب «القوات اللبنانية»، وعائشة (11 سنة)، ممثِّلةً «تيار المستقبل» والملقبّة بـ «عاشقة الشيخ سعد»، إضافة إلى يوري (10 سنوات) الذي بدا منغمساً في حياة مختلفة بعيدة عن المشاحنات الحزبية.
في الحلقة، حدّد يوري لنفسه هدفاً واحداً هو أن يصبح مخترعاً، وبدأ بالفعل العمل على تحقيق هذا الهدف باختراع آلة لمكافحة اللصوص. أما «ابن المقاومة»، وعلى غرار يوري، لديه توجّه للاختراعات، لكن خدمةً للأمور العسكرية وكوسيلة لإنتاج المُسيّرات الحربية للقضاء على «العدو الجبان». في المقابل، بدا الطفل «القواتي» الذي نقل أفكار جدّه لا والده، أقلّ حدّة وتعابيره الحزبية مختلفة عن المعتمدة، حيث قال إنّ جدّّه كان مع «جيش القوات»، مع ذلك ارتدى شربل بزّة القوات الزيتيّة. بينما عكست الطفلة عائشة، تعلّقاً كبيراً بزعيم «تيار المستقبل» وزعيم طائفتها، كما تؤكد، سعد الحريري وإصراراً على اعتماد اللون الأزرق في يومياتها.
جدل طفوليّ
الحلقة أثارت جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بين جمهور مؤيد للحلقة كونها تعكس واقعاً ملموساً في لبنان لا ينبغي إنكاره، وآخر استفزه ما رآه وسمعه من كلام، اعتبره مساساً بالطفولة وبراءة الأطفال. فيما وصل الأمر مع البعض حدّ المطالبة بإيقاف بثّ البرنامج نهائياً والطلب من وزير الإعلام التدخّل الفوري لمنعه.
ولعّل الحوار بين الطفلين مجتبى وشربل أثار حفيظة الكثيرين، خصوصاً وأنّ كلّاً منهما تحدّث بلغة إلغائية تجاه الآخر، ما دفع بقناة «الجديد» وفي وقت لاحق أمس إلى نشر توضيح، أكّدت فيه أنّ الحوار بين الطفلين حُذف من الحلقة بالمونتاج، لكنّه بُثّ عن طريق الخطأ وبأنها تتحمّل مسؤولية الخطأ وتُجري تحقيقاً لمحاسبة المسؤولين. وبدا لافتاً أنّها حذفت عن حساباتها على مواقع التواصل بعض الفيديوات التي أثارت الجدل والتي كانت نشرتها من الحلقة.
لا تعليق
في المقابل، آثرت مقدّمة البرنامج الإعلامية كارين سلامة عدم التعليق، بعد تواصل «نداء الوطن» معها، غير أنها أشارت عبر حسابها على منصة «أكس» إلى أنها تنقل الواقع داعيةً من لم يعجبه للسعي إلى تغييره.
كبيرة هي العبارات التي استُخدمت في الحلقة على لسان الطفل مجتبى، الذي لم ينكر أنه تبنّى أفكار والده ووالدته واقتنع بها لكونها تركّز على «نصرة المظلوم»، وكشف أيضاً أنه خضع لدورات تدريبية عسكرية كـ«مقاتل صغير» في «حزب الله»، وجرّب العديد من الأسلحة، مؤكداً أنه «شايف يَلّي ما بينشاف». وأضاف: «سأقاتل في المستقبل وأستشهد»، معتبراً أيضاً أن «صرماية السيد حسن بتسوى لبنان كلّه»، وذلك رغم إعلانه أيضاً أنه مستعد لحماية لبنان كونه «مقاوماً».
التعليقات الإيجابية والسلبية على الحلقة عبر مواقع التواصل عكست، من دون أدنى شك، واقع لبنان وصراعاته الداخلية، ورغم يقيننا من موافقة الأهل على ظهور أبنائهم في الحلقة، إلّا أنّ مقاربة ما شاهدناه على الشاشة من زاوية علم النفس بدت ضرورية.
عبء على الأطفال
لا تنكر الاختصاصية النفسية رُبى بشارة أنّ تكلّم الأطفال بالسياسة، أصبح ظاهرة طبيعية في لبنان نتيجة عدة عوامل مترابطة، أبرزها التوارث والهويّة المرتبطة بالأب، بالإضافة إلى الإدراك الاجتماعي للمرأة والمفاهيم السائدة في المجتمع، ما جعل الأفراد يشعرون بالانتماء إلى هذا السياق دون أن يدركوا تبعاته. لكنها توضح لـ«نداء الوطن» أنّ موافقة الأهل على ظهور أبنائهم في الحلقة خاطئة، مضيفةً أنّ من الناحية النفسية، عندما يكبر الأطفال ويكتشفون الصورة التي وُضعوا فيها أمام مجتمع كامل، سيشعرون أنهم تحمّلوا عبئاً ثقيلاً، علماً أن خياراتهم ورؤيتهم للحياة قد تتغيّر مع مرور الوقت. وتشير بشارة أيضاً إلى أن الأطفال في الحلقة بدَوا ضعفاء رغم ادّعائهم العكس.
وتذهب أبعد في ذلك لتقول إنّ الطفل ليس «رجلاً صغيراً»، بل كائن ضعيف يحتاج بيئة تتيح له النمو النفسي السليم، مشدّدة أيضاً على أهمية «الدياليكتيك» أو الجدلية، في بناء الفكر لدى الطفل. وتتوقف عند بعض العبارات المستخدمة من قبل الأطفال في الحلقة، لتقول: «عندما نفرض على الطفل أفكاراً مؤدلجة، نحمّله ما لا طاقة له به، ونخلق له أزمة بين قوّته المدّعاة وواقعه الضعيف، بالتالي، علينا منحه الفرصة لتحليل الواقع بموضوعية، بعيداً من التوجيهات الحزبية التي تقيّد حريته في التفكير. وتضيف أن هذا النوع من التعليم يؤثّر في فهمه لنفسه ولعالمه، وفي اكتشافه لتوجهاته بشكل مستقل.
دور الأم
كذلك، تؤكد بشارة على الدور الأساسي والمهم للمرأة، وبشكل خاص للأم، في بناء الوطن. وتوضح أنّ طريقة نظر الأم إلى تربية أبنائها تؤثر بشكل كبير في تغيير الكثير من المفاهيم والمعادلات، كذلك كيفية تصوّر ابنها وهو في رحمها مهمة جداً، «ما هي تطلعاتها له؟ هل أرادته جسداً ينساق للموت أم كائناً مع حياة مليئة بالإنجازات؟ هل غريزة الحياة لديها تتفوق على رغبات الموت؟». فالأم، وفقاً للاختصاصية النفسيّة، هي من يصنع التغيير ويكسر التقاليد السائدة، لتنقل إلى أطفالها قيماً ومفاهيم جديدة. كما ترى أن تأثيرها في بناء الوطن يتفوق على دور الرجل في كثير من الأحيان.
وتشدّد بشارة على أنّ الشعب اللبناني بدأ ينسى أنّ لبنان هو دولة والانتماء الأول ينبغي أن يكون للمواطنة الصالحة، مؤكدةً أنّ على التربية في المدرسة أن تركّز على تعزيز حبّ الوطن بدلاً من الانتماء الحزبي الذي يشكل عبئاً إضافياً على الطفل، حيث لدى الأخير انتماء طائفي متجذّر لا يمكن المساس به، وعندما نفرض على الطفل أفكاراً حزبية نمارس كأهل حب الأنا ونعكس هويتنا وصورتنا على أبنائنا.

تفاعل رسمي
وإلى تفاعل الجمهور في مواقع التواصل مع ما ورد على لسان الأطفال ضيوف الحلقة، أكّد وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال - رئيس المجلس الأعلى للطفولة، هكتور حجار أنّ «من غير المقبول زجّ الأطفال في برامج إعلامية لا تناسب أعمارهم وتمسّ بالأمن الاجتماعي والسلم الاهلي»، واستنكر «إعداد مثل هذه البرامج التي لم تراعِ حماية خصوصيّة الأطفال وحياتهم الشخصيّة وتعرّضهم للأذى النفسي والعاطفي». وأهاب حجار «بالقضاء المعني اتّخاذ الإجراءات اللازمة»، متمنّياً «على الأهل تحمّل مسؤوليتهم ورعاية أطفالهم بما يناسب صحتهم النفسية ونموهم السليم».
وسبق «التوضيحات»، التي نشرتها «الجديد» حول الحلقة، وحذف بعض مقاطع الحلقة التي كانت نشرتها عبر حساباتها على مواقع التواصل، اتصال وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد المكاري بإدارة القناة، تناولا فيه ما عرضه برنامج «ميني مافيا» في حلقته مع الأطفال. وبحسب البيان الصادر عن الوزير «تم الاتفاق على معالجة ذيول الحلقة وتطويق أي ارتدادات سلبية لها، بما يضمن إعطاء الأولوية لحماية الأحداث ومراعاة الظروف الفضلى لنموّهم في بيئة عامة صحية وسليمة، تراعي مشاعرهم وتواكب اهتماماتهم العمرية، من دون إقحامهم في المجال السياسي أو الحزبي أو الطائفي».
انتهت الحلقة، لكن الخلافات السياسيّة بين اللبنانيين لن تنتهي قريباً، حيث لا تصوّر واقعي حتى الآن يقرّب وجهات النظر في ما بينهم، ويبقى من غير الواضح من سيتحمل مسؤولية إنهاء هذا التشرذم، إذ لا تزال الطريق إلى الوحدة غير محددة المعالم، خصوصاً مع توارث هذا الواقع من جيل إلى جيل.