مايا الخوري

ظلال الطفولة ترسم المستقبل

حين ينضج الجسد ويبقى الطفل... كيف نتحرّر؟

5 دقائق للقراءة

يُقال إن الطفولة جذور تؤسس مرحلة النضوج، تسيّر بخبراتها خياراتنا وترسم مستقبلًا شبيهًا بما هو مألوف لدينا. ولكن أساليب التعلّق وأنماط السلوك التي علّمت في أجسادنا وذكرياتنا وصقلت شخصياتنا يمكن إعادة بنائها وتوجيهها نحو غدٍ أفضل. وفي مناسبة عيد الطفل الذي يصادف الأحد 22 آذار تستوقفنا مراجعة تجاربنا؛ فبين الماضي والحاضر أي ذكريات نحمل، وكيف نحقق العلاج الذاتي لرسم صورة المستقبل؟

نحمل من الطفولة أنماط التعلّق، الخبرات والاحتياجات التي اكتفينا منها أو تلك التي نشعر بنقصٍ تجاهها، كما نحمل منها بيئتنا ومحيطنا الذي نشأنا فيه، صورتنا الذاتية وصورة من حولنا. فتترجم بطريقتنا الخاصة بالتعبير عن أنفسنا ومشاعرنا وأسلوبنا في التعامل مع الغير، ومعتقداتنا وقيمتنا الذاتية، لذلك لا تقتصر الطفولة على ذكريات إنما هي نمط ينتقل معنا إلى مرحلة النضوج.

صحيح أن تجارب الطفولة كثيرة، إنما لا يمكن اعتبار بعضها أكثر تأثيرًا، إذ قد يختبر شخصان التجربة نفسها لكنها تؤثر في كلٍ منهما بطريقة مختلفة، بحسب توافر الأمان أو غيابه، بحسب أسلوب الأهل الاحتوائي أو النقدي، المهمل أو التقديري عند حدوث الصدمات. لذلك تعتمد التجربة على الواقع المعاش في خلال هذه الطفولة لتختلف تأثيراتها بين شخص وآخر بحسب الواقع الموجود فيه. ولا تختفي التجارب تمامًا في سن الرشد وفق ما تشير الاختصاصية النفسية شارلوت خليل، إنما تُترجم بطرق مختلفة. "ثمة تجارب تبقى محفورة بتفكيرنا وأجسامنا ونظرتنا إلى ذاتنا والمجتمع، فإذا كانت سلبية ولم تُعالج جاءت انعكاساتها كثيرة".

وتشير إلى أن الطفل يكوّن صورته الذاتية من الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي يتلقاها وتبقى هذه الصورة أساسية في سن الرشد. وهي تتكوّن من نظرات الأهل والرسائل التي يوجّهونها إليه وكيفية معالجتهم مشاكله وكيفية تعامل المحيط مع احتياجاته وردود الفعل على نجاحاته وفشله.

وانطلاقًا من ذلك يبقى دور الأهل أساسًا في هذا الإطار، وهو لا يُستهلّ عند ولادة الطفل، إنما منذ ولادة الرغبة بحدوث الحمل، ويتطوّر دورهم في خلال الحمل وفي المراحل المختلفة وفق احتياجات الطفل.

وتضيف: "دور الأهل الأساسي توفير احتياجاته الفيزيولوجية وتوفير الحبّ والأمان والإفساح في المجال أمامه للاكتشاف وبناء علاقات اجتماعية صحية ودعمه ليبلغ الاستقرار وتقدير الذات".

وتوضح أهمية أن يضع الأهل حدودًا صحيّة تساعد الطفل على النمو وفق توقعات معروفة وردود فعل متوقعة ما يوّلد لديه الشعور بالأمان الذي يفسح في المجال أمامه للاكتشاف والتجربة واختبار النجاح والفشل، فمن شأن ذلك بناء ثقته بنفسه وبناء علاقات مستقرّة. أمّا الإهمال فهو عنف ممارس يولّد نقصًا في احتياجات الطفل الأساسية، وينعكس خوفًا من التخلّي وتعلقًا مبالغًا أحيانًا كثيرة أو قد يؤدي إلى تجنبه العلاقات.

لذلك فإن هذا الدور الذي يضطلع فيه الأهل ينعكس سلوكيات يحملها الطفل معه في سن الرشد مثل الشك أو الثقة، الخوف والتردّد، القدرة على التعبير عن ذاته أو الكبت. وتلفت إلى أن الطفل قد لا يتذكر الخبرات المبكرة السلبية بوضوح في سن النضج لكن العاطفة والجسد والعقل الباطني تتذكر وتترجم بسلوكيات معيّنة تؤثر على الشخص ومحيطه مثل الحساسية المفرطة وردود الفعل المبالغة، والانسحاب أو الاندفاع.

من جهة أخرى، وعلى رغم تأثير الطفولة في بناء شخصيتنا لكنها لا تحدد كيفية استمرارنا في حياتنا، فمجرّد أن نطرح السؤال عن مسبّبات الصعوبة التي نختبرها نكون قد وعينا إلى أن النمط الذي نتبّعه غير مناسب وهناك ما يجب معالجته، وأن ثمة رابطًا ما بين الماضي والحاضر يجب أن نفهمه لنستطيع تخطي تحديات الحاضر والمستقبل.

وعمّا إذا كانت تجارب الطفولة هي التي تقودنا في اختياراتنا العاطفية والاجتماعية تقول خليل: "غالبًا نعم، لأننا نميل أحيانًا كثيرة إلى اختيار المألوف من دون أن يكون بالضرورة جيّدًا لنا، ويترجم ذلك باختيار الشريك والعلاقات، ويُبنى على ثقتنا بأنفسنا وصورتنا الذاتية وأمور أخرى".

وتشير إلى أن كل التجارب الطفولية الموجعة تخزن بشبكة الذاكرة مع المشاعر الأصلية والإحساس الجسدي والمعتقدات السلبية عن أنفسنا وصورة ما حصل، فإذا لم تُعالج تبقى مجمّدة في الجهاز العصبي. لذلك عندما يحصل خلاف مع الشريك مثلًا يمكن لكلمة بسيطة تفعيل الشبكة القديمة المرتبطة بالرفض والإهمال وكل ما ذُكر سابقًا. وطالما أن الجهاز العصبي لا يميّز بين الماضي والحاضر، في كلّ مرة يحدث خلاف ينشط المسار العصبي والسلوكي في ردود الفعل، فتبرز مجددًا مشاعر الألم والحزن المخزنة فيه، وبالتالي فإن ردّة الفعل لا تكون تجاه الشريك بل تجاه ذكرى قديمة وخبرات لم تعالج بعد.

وإذ تؤكد أهمية العلاقة السليمة ودور الشريك الداعم في خلق بيئة صحية مساعدة في معالجة خبرات الطفولة، توضح أنها لا تعوّض عن العمل الداخلي، خصوصًا أن الجرح القديم يحتاج لعلاج ليتمكن الشخص من إيقاف الماضي عن إدارة الحاضر. وعن دور المعالج النفسي في عملية الشفاء من تجارب الطفولة، تقول: "ينطلق العلاج بفهمنا ما يحدث معنا ووعينا للخبرات القديمة وتأثيرها ومعالجتها وإعادة بناء صورة إيجابية عن الذات والآخرين من ضمنها تكوين مهارات التواصل والعلاقات والتعلّق الآمن. ويساعد العلاج النفسي والدعم الأسري في كسر الحلقة المتوارثة التي تؤثر على العلاقات الأسرية".

وتختم قائلة: "الطفولة هي الأساس والجذور لكنها ليست بالضرورة المصير، كلما وعينا على قصتنا وطرحنا أسئلة وتحررنا من الموروثات والخبرات استطعنا بناء أصول مختلفة في حياتنا وعلاقاتنا".