بشار حيدر

هل أنجزت إسرائيل للبنانيين ما عجزوا عنه؟

3 دقائق للقراءة

بسرعة فائقة، وبعد سنتين من تعطيلٍ كاد أن يصبح عرفاً، انتُخب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً للبلاد وكُلّفت شخصية حقوقية مرموقة كنواف سلام تشكيل الحكومة. وقد رحبت بذلك فئات واسعة من اللبنانيين ومعظم هيئات ونشطاء المجتمع المدني وغالبية النواب التغييريين، إذ رأوا في الحدثين تحقيقاً لأحد أهم مطالب حراك 17 تشرين، وهو اختيار شخصيات مؤهلة، من خارج ما يدعى "المنظومة"، لتسلم دفة الحكم، ومنحها الفرصة لإقرار الإصلاحات المطلوبة.



لكن من الواضح أن هذا التغيير لم يكن ليحصل لو لم يصبح "حزب الله" ومعه القوى المتّكئة عليه في لبنان على قدر من الضعف يمنعها من التعطيل. وهذا، إن دل على شيء، فهو يدل على أن العائق الأهم أمام الشروع بعملية التغيير، لم يكن ما يسمى "المنظومة" بصورة عامة، بل كان تحديداً "حزب الله" بسلاحه وبسطوته. فبمجرد أن خفتت تلك السطوة، استطاعت "المنظومة" نفسها أن تضع البلاد على سكة أخرى.


أما إضعاف "حزب الله"، فلا نفشي سراً إن قلنا إنه لم يتم على يد قوى محلية آتية من مجتمع مدني أو سواه، بل كانت إسرائيل وجيشها من أنجزه. أي أن ذلك التغيير الذي رحب به معظم اللبنانيين إنما جاء على يد العدو الإسرائيلي وعبر حرب شنها على لبنان.


لا شك أن البوح، أو حتى مجرد التفكير، بأن الحرب الإسرائيلية ساهمت في تحقيق جزء من آمال اللبنانيين أمر مستهجن. فمن المحرمات اعتبار أن ما تفعله إسرائيل قد يصب، ولو عن غير قصد، في مصلحة اللبنانيين، فكيف إذا كان ذلك الفعل حرباً.


لذا يجد اللبنانيون الفرحون والمتفائلون بالتغيير الجديد أنفسهم أمام خيارين: الأول هو التراجع عن فرحتهم وتفاؤلهم والالتحاق بموقف "كتلة الوفاء للمقاومة" وجمهورها الرافض لعون وسلام على أساس أنهما احتلّا موقعيهما نتيجة تحقيق إسرائيل هدفها في إضعاف "حزب الله".


والخيار الثاني هو أن يمضي هؤلاء اللبنانيون في فرحهم وتفاؤلهم عبر رفضهم المنطق القائل إن كل ما يخدم مصلحة إسرائيل هو بالضرورة ضد مصلحة لبنان. أي بعبارة أخرى، أن يقروا بأنه ليس هناك، من حيث المبدأ، ما يمنع حصول تلاقٍ بين مصلحة إسرائيل ومصلحة لبنان، وأن هذا التلاقي إنما حصل اليوم في قضية إضعاف "حزب الله".


طبعا، لا يعني ذلك أن على اللبنانيين الفرحين اليوم بالتغيير أن يشكروا إسرائيل. فالأخيرة لم تفعل ما فعلته من أجل تحسين ظروف عيشهم ولا لتمكينهم من استعادة قرارهم السياسي، وهذا ناهيك عن الكلفة البشرية والمادية البالغة التي تطلبتها حرب إضعاف "الحزب". أضف إلى ذلك أن هؤلاء اللبنانيين الفرحين اليوم كانوا يفضلون، بدون أدنى شك، لو أن التغيير كان نتاج قرار داخلي سلمي.


لكنْ يبقى السؤال: هل كانت هناك فعلاً إمكانية حقيقية لإحداث ذاك التغيير (أي إضعاف سطوة "حزب الله") وإخراج البلاد من النفق الذي هي فيه من خلال ديناميّات داخلية، أو خارجية، غير عنفية؟ الإجابة ليست سهلة طبعاً. وإن كنت، مع كثيرين غيري على ما اعتقد، أكثر ميلاً إلى التقليل من فرص تلك الديناميات.


ما هو أهم من هذا كله أن نتمكن كمجتمع من فهم واقعنا ومواجهة خياراتنا دون مواربة واختباء وراء محرمات عقيمة.