وائل خير

فرصة علينا استغلالها

4 دقائق للقراءة

نشوة بدأت بانتخاب رئيس جمهورية خارج أعراف وضعها اتفاق الطائف والدوحة، وخطاب قسم تاريخي ذروته قرأناها على أوجه نواب "الثنائي"، تبعه بعد أربعة أيام تسمية رئيس وزراء رغماً عن اعتراض الفاسدين يتمتع بكفاءات وقيم أخلاقية سحبت من التداول في العقود الأخيرة. هذا التفاؤل بدأ بالتصدّع.


سبب هذه النكسة في رأيي وأنا لا أدعي العصمة، يعود إلى تراث سرى منذ بداية انطواء عصر لبنان الذهبي. إنه قاعدة الحكم على أسس الائتلاف. قاعدة وضعها المحتل الفلسطيني - السوري ثم الإيراني لتسهيل السيطرة على لبنان بتحديد مرجع مطواع وحيد. هذا التعدد في مرجعيات القرار هو أعراف لا تجد رواجاً البتة في الأنظمة الديمقراطية التي تقوم على مبدأ ممارسة السلطة من قبل مجموعة سياسية لها برنامج حكم، تقابلها سلطة مراقبة،  والاثنتان تخضعان لتقييم وحكم يقوم به الشعب عبر انتخابات دورية. إنكلترا، أمّ البرلمانات، لا حكومة جمعت الحكم والمعارضة إلا زمن الحرب وانتهت فور انتهائها، لتعود ثانية إلى مسرى الديمقراطية الطبيعيي .


لهذه الثنائية في أساس النظام الديمقراطي مبرراتها. الحكومة الائتلافية تنتهك مبدأ المراقبة والمحاسبة وهما قوام النظام الديمقراطي، إذ كيف للمعارضة أن تحاسب قرارات وإجراءات اشتركت بها؟


تلك هي الأسس التي تندثر الديمقراطية إن توارت، وهي ما قامت عليه الحكومات في لبنان في عصره الذهبي الذي تلاشى مع إيلاء المقاومة الفلسطينية بموجب اتفاقية القاهرة عام 1969 حق دخول لبنان والتمركز به وقلب معادلاته الداخلية وأيضاً خرق اتفاقية الهدنة مع اسرائيل الموقعة عام 1949، كان ذاك بداية سلسلة من حكومات ائتلافية وجدت بها الاحتلالات الفلسطينية - السورية - الإيرانية معيناً لها في تشديد قبضتها على لبنان.


ما المأخذ على الخروج عن الديمقراطية واعتماد نمط مختلف للحكم؟


لا شك أن الديمقراطية لم تجد رواجاً، ولا حتى قبولاً، لدى الفلاسفة الإغريق ومن لحق بهم حتى العصر الحديث حيث مال الكثير للديمقراطية ليس لحسناتها، بل لسوء بدائلها. تفتقر الديمقراطية في أهم أساس لها، إرادة الشعب، للمنطق. لماذا يُقبل أي إنسان وكل إنسان، إلى ذوي الاختصاص بكل ما يتعلق بحياته من أبسطها، كشراء الحاجات اليومية، إلى أهمها، كعلاج ليبقى على قيد الحياة؟ لكنه في الأمور المصيرية كوجود المجتمع، يعتمد معايير أخرى لا منطق فيها، كانتقاء للحكم الأكثر جاذبية، والأصقل لغة، أو الأقرب نسباً، لتولي السلطة دون اعتماد مبدأ الكفاءة؟ ثم هناك محاكمة سقراط أمام محكمة شعبية والحكم عليه بالإعدام بأكثرية الأصوات، كحدث استعان به الفلاسفة للنيل من الديمقراطية.


أتى الرد الذي حسم النقاش لمصلحة الديمقراطية متأخراً ما يزيد على الألفي سنة على لسان ونستون تشرتشل: "الديمقراطية نظام كثير السوء لا يفوقه سوءاً إلا كل البدائل التي جربتها البشرية".


ثم هناك خلل في النظام اللبناني يقتضي الإصلاح، إنه عدم التداول الذي ابتدأ برئاسة السلطات الثلاث، ليتسرب بعدها إلى المواقع الوزارية الأساسية، كوزارة المال التي تمسك بناصية الحكم بإلزام موافقة وزير المالية على كل قرار يتطلب نفقة خارج أي مهلة للتوقيع، إضافة إلى إشرافه على ميزانية جميع الوزارات.


هذه الأعراف الغريبة التي أولت الطوائف مناصب وسلطات لا تتبدّل كانت وراء سعي حديث لكل منها للحفاظ حتى بالقوة على تلك الصلاحيات وتوسيعها. الأكثر وضوحا إصرار الطوائف الإسلامية على تقليص دور رئاسة الجمهورية الذي بدأ في الطائف واستمر بعده. فلو لم تخصص المراكز بالطوائف بل تداولوها، ما حرص أحد على تعزير صلاحيات منصب محل تداول لا بد وأن ينتهي إلى منافس له، وطوائف لبنان، في تنافس ونزاع لا يفوت رؤيته إلا من عمي بصره.


ثم هناك أمر آخر يقتضي حسن التخطيط احتسابه. يمر لبنان الذي طالما كان حلبة صراع القوى الإقليمية وكان ضحيتها مواطنوه و اقتصاده، بظرف استثناني عليه أن يحسن استخدامه ليحصّن ساحته الداخلية في هذه الفترة التي قد لا تستمر طويلاً. انحسار قضية الفلسطينيين، انهيار حكم البعث في سوريا مع إمكانية جدية لصراعات داخلية فيها بين الـ 16 تنظيماً مسلحاً يترصد كل منها الآخر، ثم هناك الأصوليون في الحكم. هل ستكون ربطة العنق أصيلة فيه أم هي تجميل له إلى حين؟ أليس من الممكن، لا بل المرجّح،أن يثور الكثير من الأصوليين ضد من "انحرف عن الدين القويم إلى التزام الكفر والالحاد". وهناك أيضاً ما يتداول عن توجيه ضربات عسكرية إلى إيران تترافق مع صراعات خلافة المرشد الأعلى، مع احتمالات جدية لانتفاضات بين شعوب ذاك البلد.


هي ظروف نادرة علينا كلبنانيين أن نغتنمها لوضع أسس وطن جديد قابل للحياة.