من منا كان يتصور يوماً أن ساعة اليد البسيطة قد تتمكن من إنقاذ حياتنا؟ أو من كان يعتقد أن قطعة التكنولوجيا التي نرتديها على معصمنا يمكن أن تكون مفتاحاً لكشف أسرار صحتنا؟ هذه الأسطر ليست اعلاناً للساعات الذكية، بل حقيقة علمية تثبت قدرة التكنولوجيا الحديثة، على الثورة في مجال الرعاية الصحية. وقد تكون قصة شادي الشاب العشريني خير دليل على ذلك. فبينما كان يعيش حياته الطبيعية، أشارت ساعته الذكية إلى وجود خلل في قلبه. لم يكن يتوقع هذه النتيجة، فهو رياضي يتمتع بصحة جيدة. إلا أن إصرار الساعة على إظهار ارتفاع غير طبيعي في ضربات قلبه دفعه إلى زيارة الطبيب، ليكتشف إصابته بمشكلة قلبية كانت قد بدأت بالتسلل إلى جسده من دون أن يشعر بها. لحسن الحظ، تمكن من الحصول على العلاج اللازم قبل فوات الأوان.
تعتبر الساعات الذكية ثورة في عالم التكنولوجيا، وقد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية. تقدم هذه الأجهزة الكثير من الميزات، من تتبع اللياقة البدنية إلى الإشعارات الذكية، ولكن ربما يكون أهم استخدام لها هو في مجال الرعاية الصحية ولا سيما تتبع ضربات القلب. وعلى الرغم من فوائدها الكثيرة، إلا أنها لا يمكن أن تحل مكان الأجهزة الطبية المتخصصة في تشخيص أمراض القلب، بل تقتصر وظائفها على إنذار المريض.

فهم دقات القلب
في العيادات، آثار واضحة لدور التكنولوجيا القابلة للارتداء؛ حيث يشهد اختصاصي القلب والشرايين الدكتور بسام حرب، إقبالاً متزايداً من مرضى يعانون من اضطرابات في ضربات القلب، وذلك بعدما أظهرت ساعاتهم الذكية أعراضاً مقلقة. ويشرح دلالات المؤشرات التي يمكن أن تنذر المريض قائلاً: "عادة ما يكون المعدل الطبيعي لضربات القلب في حالة الراحة لدى معظم الأشخاص البالغين الأصحاء ما بين 50 إلى 100 نبضة في الدقيقة. عندما ترتفع الضربات عن هذا المعدل، وخصوصاً في حالة الراحة، قد يكون ذلك مؤشراً إلى وجود مشكلة صحية كامنة. مثلاً، إذا كان معدل ضربات قلب الشخص يتراوح بين 100 و 120 نبضة في الدقيقة، فهذا يستدعي إجراء فحوصات طبية لتحديد السبب الكامن الذي يمكن أن يكون ناتجاً عن مجموعة متنوعة من العوامل، مثل القلق والتوتر، فقر الدم واضطرابات الغدة الدرقية. بينما إذا كان ارتفاع معدل ضربات القلب بشكل مستمر فوق 120 نبضة في الدقيقة فقد يكون مؤشراً إلى وجود مشكلة في النظم الكهربائي للقلب".
هنا يتوقف عمل التكنولوجيا، وعلى المريض التوجه مع ساعته الذكية إلى الطبيب المختص للتشخيص. وبحسب د. حرب: "أولاً، يتم إجراء فحص دم شامل للتحقق من وجود أي نقص في خلايا الدم الحمراء (فقر الدم) أو اختلالات في وظائف الغدة الدرقية. بالإضافة إلى ذلك، يتم إجراء مخطط صدى القلب (الإيكو) لتقييم وظيفة القلب وهيكله. ولتأكيد التشخيص ولا سيما في حال كان معدل الضربات فوق 120 يقوم الطبيب بوصف جهاز "هولتر" يرتديه المريض لمدة تتراوح بين 24 ساعة وأسبوع كامل، ويسجل نشاط القلب خلال هذه الفترة بشكل مستمر. وبعد تحليل البيانات المسجلة، يتمكن الطبيب من تحديد السبب الدقيق للمشكلة وتحديد العلاج المناسب بناءً على التشخيص. وإذا تأكد وجود مشكلة في النظم الكهربائي للقلب، فيكون العلاج إما عن طريق الأدوية أو عن طريق إجراءات طبية مثل الكي".

أداة وليست بديلاً
من المهم جدّاً استعمال هذه التكنولوجيا بنضج ووعي، فالكم الهائل من البيانات يشكل عند البعض قلقاً زائداً. وفي حين أن الساعات الذكية يمكن أن تكون أداة مفيدة لمراقبة صحتكم، إلا أنها ليست بديلاً عن التشخيص الطبي. لذلك يتوجه د. حرب إلى محبي التكنولوجيا ناصحاً: "لا تدعوا القلق الزائد يفسد فوائدها. إذا كنتم تشعرون بالقلق بشأن صحتكم، لا تتأخروا في استشارة طبيبكم".
شريككم في التمرين بالنسبة للرياضيين، تختلف طريقة قراءة بيانات ساعتهم الذكية. يشير د. حرب إلى أنه من الطبيعي أن يرتفع معدل ضربات القلب بشكل كبير أثناء التمرين، وقد يصل إلى 120-180 نبضة في الدقيقة. ومع ذلك، يجب أن يعود معدل الضربات إلى معدله الطبيعي خلال 10-15 دقيقة بعد الانتهاء من التمرين"، مضيفاً: "تساعدكم ساعاتكم على تتبع هذا التغيير، وتنبيهكم في حال استمر ارتفاع معدل ضربات القلب بعد فترة الراحة، إلى ضرورة استشارة الطبيب". |