يقدّم الكاتب والروائي العراقي نزار عبد الستار روايته الجديدة "فورور" الصادرة عن دار "هاشيت / نوفل" في بيروت، بعد سلسلة إصدارات له كان أبرزها "يوليانا" (2016) و"ترتر" (2018) و"مسيو داك" (2020). وهي تشكّل في إطارها الرومانسي والمتخيّل معاً، واحدة من أبرز أعماله التي توزّعت ما بين الرواية والقصة القصيرة.
إذا كانت رواية نزار عبد الستار الأولى، "ليلة الملاك"، حازت عام 1967 جائزة أفضل رواية عراقيّة عن "اتحاد أدباء العراق"، فقد حقّقت مجموعته القصصيّة "رائحة السينما" عام 2002 رواجاً كبيراً واعتبرها النقّاد واحدة من أهم المجموعات القصصيّة العراقيّة.
أمّا "فورور" فلها نكهتها الخاصة. تحكي قصة بطلها صابر عفيف الذي يقوم برحلة استكشافيّة هائلة بين عواصم عربيّة وأوروبيّة بحثاً عن "فورور" ملكته ذات يوم أمّه التي رحلت عنه وهو صغير. ويقتفي أثر "الفورور" كطفل جائع إلى حضن والدته، فيرحل ويسافر هائماً على وجهه من بلد إلى آخر، لعلّه يعثر على شيء منها، من جلدها، من نفسها، من رائحتها، من معطف "فورور" لفّ جسدها ذات يوم ثم غاب عنها، كما هي غابت عنه، لتصير الرحلة مجرّد ذريعة و"الفورور" مجرّد أداة للبحث عن الطفل الذي كانه ذات يوم في حضن أمه المفقودة.
هدية وزير
وحيدة جمال، اسم الأم. كانت "مونولوجيست" عراقيّة عاصرت كبار نجوم العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، عبر "فورور" أهداها إيّاه وزير الدفاع السوفياتي، ثم أعارته ذات يوم للممثلة المصريّة مريم فخر الدين، لتصوّر وهي ترتديه مشهداً من فيلم "حكاية حب" إلى جانب عبد الحليم حافظ في أغنية "بتلوموني ليه". غير أنّ "الفورور" لن يعود إلى صاحبته بعد الشهرة التي اكتسبها مع الأغنية فطار من بلد إلى بلد، ومن جسد إلى جسد، بعد أن اشتراه سياسي كويتي. وسوف يهديه بعدها إلى جيهان السادات، زوجة الرئيس المصري أنور السادات، ثم ينتقل إلى فرح ديبا زوجة شاه ايران.
هنا يتساءل القارئ من دون شك: هل القصة حقيقيّة أم هي محض خيال؟
نجوم نجمات
يطلّ على الرواية عدد كبير من نجوم تلك المرحلة، ويسرد الروائي الأسماء والأحداث الخاصة بهم من بينهم فريد الأطرش وفيلمون وهبي وغيرهما... والبطل يتنقّل بين مصر ولندن ولبنان في ذلك الزمن الرومانسي الحافل بالأحداث الفنيّة الصاخبة من أفلام وأغنيات وحفلات.
كما يتوغل الروائي في عالم المزادات وتفاصيلها في لندن حيث يروح يبحث عن إشارات قد تدلّه على "الفورور" الضال أو الأم المختفية. والبطل عمل في مجال المزادات ويكتشف هناك أنهم "لا يتكلّمون عن الفن إنما عن المال". كذلك ثمّة بحث في الرواية عن آلة كمان استخدمتها خالته بدرية، حين كانت تعزف في بيروت مع فنانين كبار.
ومن دون شك، يجد القارئ نفسه في منتصف الرواية لاهثاً وراء البطل وهو يقتفي أثر "الفورور" مع الكاتب، حيث تصبح الرواية إلى حدّ ما في حدود القصص الملحمية، فالبطل مرصود على طريق حافل بالمفاجآت والشخصيات الخارقة. غير أنّ مفاجآت نزار عبد الستار هنا من لحم ودم، وشخصياته لها هوية واسم وتاريخ. والكاتب في بحثه يربط الماضي و "فورور" الوالدة، بحاضر الواقع مع الحبيبة سيلين الإنكليزية التي تصغره سناً وتشبه والدته وتدخله في سراديب الحب والعلاقة.
نهاية حزينة
في نهاية المطاف يدفع البطل مبلغاً ضخماً ليحصل على "الفورور": "بدا "الفورور" ثقيلاً على غير ما تخيّلت دوماً... رفعت الورق عنه... فاحت رائحة أمي القديمة. مررت أصابعي عليه، النعومة نفسها التي كنت أستشعرها في أذياله وأنا أحضن أمي من الخلف... سحبته من الكيس ببطء وكلّي يرتجف. ازدادت الرائحة حضوراً وأخذ قلبي يشهق. لا وجود لعطور مريم فخر الدين والسيدة جيهان السادات، والشهبانو فرح ديبا بهلوي... امتلأ المكتب بعبق جسد أمي، مونولوجيست كباريه "مولان روج" في بغداد وحيدة جميل".
تنتهي الرواية وفي الفصل الأخير البطل مع حبيبته يزوران قبر الوالدة والخالة ومعهما "الفورور" والكمان وباقة من الورد. لكنّ الصدمة كانت كبيرة حين اكتشف الإثنان أن لا قبر لهما هناك، حيث أُزيلت كل المعالم منذ فترة بعد قرار بتوسيع المقابر وإزالة القديم منها. يصطدم البطل بالواقع تماماً كما يحصل مع القارئ الذي قد يتساءل عن جدوى كل المغامرة، وسرعان ما يكبر الولد الذي يبحث عن أمّه الغائبة بين القبور، ويشيخ في لحظة حين يتذكّر أنّ "هذا أول لقاء لي مع أمي بعد 60 سنة".
عقدة
من دون شك تندرج الرواية كاملة في عداد الجواب أو الصورة الكاملة لمفهوم "الأوديبية" التي تحدّث عنها فرويد. والرجل الناضج هنا طفل يبحث عن أمه الغائبة ويراها في جسد حبيبته الإنكليزية التي ترافقه في كل فصول الكتاب: "سيلين مثل أمي تمتلك قدمين صغيرتين تتميزان بوتريّ أخيل بديعتين ونادرتين..."، وثمّة تطرّف في موقفه يصل إلى حدّ مرضيّ: "على الأمهات أن يمُتن وهنّ يافعات...".
هذا التطرّف لا تبرره النهاية الحزينة والمؤسفة كما لا تشرحه رحلة البحث عن "الفورور" المفقود، إذ يجد البطل نفسه في نهاية المطاف أيّ في نهاية الرواية كمن يبحث عن ذاته، وعن موته الأخير. فهو مات طفلاً حين غادرته أمه وسيموت ثانية حين يغادره الوهم، وَهْمُ جسد الأم الذي ينتظر قدومه بعد 60 عاماً، أو وَهْمُ الحبيبة سيلين التي تبعده عنها سنوات تجعله يقترب من موته، أو وَهْمُ الحب بالمطلق.