في ظلّ الفوضى في النظامين الإقليمي والدولي، تمرّ منطقة الشرق الأوسط بمرحلة حاسمة على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، حيث تتداخل العوامل وتتشابك لتتحوّل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للتحالفات والصراعات المستمرّة. فهل تحافظ على هويتها السياسية؟
تتّسم التحالفات في الشرق الأوسط بالهشاشة، كالتحالف السعودي الإماراتي حيث ترتبط بمصالح مشتركة لمواجهة النفوذ الإيراني. فإلى جانب النزاعات الإقليمية المستمرّة في دول مثل سوريا ولبنان والعراق وليبيا، تتصدّر القضية الفلسطينية واجهة الأحداث. وما يزيد من تعقيد الوضع الإقليمي الاعتماد الكبير على التكنولوجيا العسكرية والمدنية المستوردة من القوى الغربية، ما يجعل العالم العربي رهينة لها في مجال التقدّم التكنولوجي.
أمّا العلاقات الإيرانية السعودية فموضوع يحمل في طياته تحوّلات كبيرة إذا ما تمّ التوصّل لتفاهمات على قدر الغايات المرجوّة. فلا تزال الفرص ممكنة لإعادة التوازن بين القوى الإقليمية.
في لبنان، تتواصل محاولات المجتمع الدولي للنهوض بالبلاد، ولكنها تصطدم باقتصاد هشّ، وفساد، وديون، وبالحرب الإسرائيلية على لبنان، فضلاً عن الصراع السياسي الداخلي فنجد الحال في لبنان أشبه ببؤرة محسوبيات وصراعات داخلية وخارجية تعزّز التطرّف والتحزّب وتزيد من هجرة الشباب اللبناني. بالإضافة إلى أزمات إقليمية خاصة في سوريا. فرغم سقوط الأسد، لا تزال إيران وروسيا تسعيان إلى ضمان تعزيز نفوذهما الاستراتيجي. وفي الوقت نفسه، تحاول سوريا تحقيق توازن في علاقاتها مع الخارج، ما يؤثر على الدول المجاورة. فهل سيكون الدعم الإنساني والتنسيق الأمني مجرد وسيلة لتطبيع العلاقات الإقليمية، أم أن الحقيقة تكمن في مصالح الدول الكبرى وطموحاتها السياسية في المنطقة؟ كتركيا التي يدور محور علاقاتها لما هو أبعد من الشام وتطلعاتها للهيمنة تجعل من المستقبل ساحة نزاعات.
أما التحالفات بين إسرائيل ودول الخليج، فهي تشكّل تحوّلاً كبيراً، فهل تنجح هذه التحالفات في تحقيق الاستقرار؟ تظلّ الولايات المتحدة لاعباً رئيساً، تدعم إسرائيل بشكل غير مشروط وتوفّر لها الحماية العسكرية والدبلوماسية. فهل تسعى تحت ضغط المجتمع الدولي إلى احتواء التصعيد في المنطقة وتحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية؟
تبقى هذه التسوية العنصر الرئيس لتحقيق الاستقرار الطويل الأمد في المنطقة ولكنّ سياسات الرئيس دونالد ترامب مبعث قلق وخاصة دعم الاستيطان الإسرائيلي وتهجير الفلسطينيين. لكنّ التحدّيات الكبرى، مثل أزمة النفط والطاقة وندرة المياه وأطماع إسرائيل، تظلّ جوهر السياسات القائمة، ما يعكس حقيقة أن السياسات الدولية مرتبطة بمصالح اقتصادية وجيوسياسية أوسع. والنتيجة إيران تواجه عقوبات، السعودية بحاجة إلى تعزيز استقرار أسواق النفط وترؤس المنطقة، الولايات المتحدة على مبدأ أميركا أولاً، والصين على طريق الحرير. أما روسيا فإمبراطورية لن تتهاون في بسط قوتها وتحقيق أهدافها. ولا ننسى المطامع الإسرائيلية من نهر النيل إلى الفرات. فأين نحن من كل ذلك؟
ختاماً، لا يمكن فهم الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط دون النظر إلى ضرورة بناء هيكلية إقليمية جديدة تساهم في الحدّ من التهديدات المستقبلية. فالصراعات الداخلية في المنطقة تجعل من الدول العربية مجرّد أدوات في لعبة القوى الكبرى، ما يهدّد الأمن والاستقرار في المستقبل. فمن سيختار العرب في مواجهة التداعيات الجيوسياسية الحالية؟ هل ستكون الولايات المتحدة، أم أن الصين وروسيا ستكتسبان مزيداً من النفوذ في المنطقة؟