صائب الزين

لبنان واحد لا لبنانان

5 دقائق للقراءة

بالأمس، عشتُ لبنانين مختلفين تماماً في يوم واحد.

في الصباح، توجّهتُ جنوباً برفقة ابن عمتي، العميد محمد فهمي، إلى قريتي كفررمان. وفي أول المساء، توجّهتُ إلى المتن لزيارة أصدقاء لي من آل سماحة في بلدة جوار.

المسافة بين المنطقتين ليست بعيدة ومع ذلك، شعرتُ بالأمس وكأنني انتقلتُ بين بلدين مختلفين.

وصلنا إلى النبطية قرابة العاشرة صباحاً. ورغم الصمود الاستثنائي لأهلها، لا يمكنك إلا أن تشعر، وترى بعينيك، أنك تدخل منطقة حرب. كانت محطتنا الأولى معملاً للرخام. كنا قد طلبنا نحو ثلاثين شاهداً للقبور، بدلاً من تلك التي دُمّرت عندما استهدفت غارة إسرائيلية مدافن عائلتنا. مدافن عمرها نحو سبعين عاماً، تختزن أجيالاً من تاريخ عائلتنا. والحرب نفسها ألحقت أيضاً أضراراً جسيمة بمنزل عائلتنا، دار يوسف بك الزين، الذي يعود تاريخه إلى نحو 150 عاماً.

كنتُ قد تذمّرت من التأخير في إنجاز شواهد القبور، لكن صاحب المعمل شرح لي أنه غارق في العمل. فقد تضررت ودُمّرت مقابر كثيرة، وعائلات عديدة في المنطقة تسعى إلى إعادة بناء قبور، حكماً أن تلك العبارات ستبقى عالقة في الذاكرة. معمل للرخام غارق بالطلبات، لا لأن الناس يبنون منازل جديدة أو مطابخ أو سلالم، بل لأن العائلات تعيد بناء قبور موتاها.

أما السيدة التي كانت تساعدنا، فتحدثت بشكل يكاد يكون عادياً عن ضجيج الليالي والتوتر المستمر في محيط النبطية. الناس لا ينامون جيداً، والأجواء ثقيلة منذ أشهر. فجأة، بدا تذمّري من التأخير أمراً صغيراً لا يستحق الذكر.

ومن هناك توجّهنا إلى كفررمان.

حوالي مبنى من كل أربعة أو خمسة مبانٍ دُمّر بالكامل أو تضرر بشكل جسيم.

هناك أشياء لا تستطيع الصور أن تنقلها عندما ترى بأمّ عينك دمار المكان. فالبيت ليس مجرد جدران وحجارة. إنه الطفولة والعائلة والأصوات والروائح والاحتفالات والخلافات والجدّات والأجداد والأهل، وأشخاص لم يعودوا بيننا. وفجأة، يتحول جزء كبير من كل ذلك إلى ركام.

في أنحاء القرية، رأيت التعبير نفسه على وجوه الناس: عدم اليقين. ماذا سيحمل الغد؟ هل سيصمد وقف إطلاق النار؟ هل سيختفي منزل آخر الليلة؟ هل نعيد البناء الآن، أم ننتظر؟ ومن أين يأتي الناس بالأموال لإعادة بناء منازلهم؟ ومتى، أخيراً، سيتمكنون من العودة إلى حياة طبيعية؟

في دارنا، اجتمعتُ بالمهندسين لمناقشة الأعمال العاجلة المطلوبة لحماية الدار: إعادة بناء الأجزاء المدمرة من السقف، إغلاق النوافذ المحطمة، إصلاح الأبواب، إعادة وصل المياه والكهرباء وحماية ما تبقى قبل حلول فصل الشتاء. نحن لا نعيد بناء كل شيء بعد. نحن نحاول فقط أن نحميه وننتظر، نراقب ونأمل.

بعد ساعات قليلة، غادرت والعميد فهمي وعدنا باتجاه بيروت. وفي ذلك المساء، كنت مدعواً إلى عشاء في بلدة جوار في المتن.

لم أكن قد زرتُ جوار من قبل، ورغم خرائط Google أو ربما بسبب عدم قدرتي على اتباعها كما يجب سلكتُ الطريق الأطول،

وكان ذلك خطأً جميلاً. مررتُ بضهر الصوان، وبعبدات، وبكفيا، وضهور الشوير، والشوير، قبل أن أصل أخيراً إلى جوار. وأثناء الطريق، حدث لي شيء غريب. وجدتُ نفسي أنظر إلى الحياة العادية وكأنها شيء استثنائي.

الناس يمشون في الشوارع، عائلات تجلس على الشرفات، المقاهي والمطاعم تعجّ بالناس، المتاجر مفتوحة، والزهور متفتحة في الحدائق وعلى الشرفات، وبيوت لبنانية قديمة وجميلة تقف بهدوء على جانبي الطريق. ووجدت نفسي أنظر إليها وأفكر:

كم هي محظوظة هذه البيوت. محظوظة لمجرد أنها ما زالت واقفة. كم هو غريب أن تخطر للإنسان فكرة كهذه أصلاً. كان الناس ببساطة يعيشون حياتهم وكنتُ سعيداً من أجلهم، بصدق، لكنني شعرتُ في الوقت نفسه بحزن عميق. لم يتساءل أحد إن كان منزله سيبقى قائماً حتى صباح الغد. لم يكن أحد يناقش كيف سيغطي سقفاً محطماً قبل الشتاء، أو ما إذا كان يستحق أن يصلح نوافذه قبل أن يعرف إن كانت غارة أخرى ستدمرها من جديد.

وعلى مسافة قصيرة بالسيارة، يعيش جزء آخر من البلد نفسه واقعاً مختلفاً تماماً.

أهلنا في جنوب لبنان لا يطلبون امتيازاً استثنائياً. أتوقع أن يريدون ما رأيته في ذلك المساء في المتن: أن يجلسوا على شرفاتهم ولأطفالهم أن يمشوا في قراهم في أمان وأن يزرعوا الزهور وهم واثقون بأنها ستبقى هناك في الصيف المقبل وترميم بيوتهم القديمة، لا تصويرها قبل أن تختفي وأن يدفنوا موتاهم مرة واحدة، لا أن يعيدوا بناء قبورهم بعد تدميرها وأن يعرفوا أن المنزل الذي ينامون فيه الليلة سيبقى قائماً عندما يستيقظون في الصباح.

على مدى عقود، دفع أهل الجنوب ثمناً باهظاً جداً لصراعات إقليمية أكبر منهم بكثير. فقدوا أحباءهم، ومنازلهم، وأعمالهم، وأراضيهم الزراعية، وتاريخهم وذكرياتهم.

مهما اختلفت السياسة، ومهما اختلفت قراءاتنا للتاريخ، لا بد أن تأتي لحظة نسأل فيها سؤالاً بسيطاً جداً: لماذا يجب على المواطن اللبناني العادي أن يستمر في دفع ثمن صراعات لا يملك قرارها، ولا تعود عليه ولا على وطنه بأي فائدة؟

بالأمس، وأنا أنتقل من كفررمان إلى جوار، أصبح هذا السؤال مؤلماً بالنسبة لي.

أنا لا أريد لأهل المتن، أو بيروت، أو الجبل، أو أي منطقة أخرى في لبنان، أن يعيشوا معاناة الجنوب، على العكس تماماً أريد للجنوب أن يعيش حياتهم الطبيعية.

أريد لبيوتنا القديمة أن تبقى واقفة هي أيضاً.

أريد لقرانا أن تمتلئ من جديد بأناس يمشون في شوارعها، ويجلسون في مقاهيها، ويعتنون بحدائقهم وحقولهم، من دون أن يرفعوا أنظارهم بقلق نحو السماء. أريد للمهندسين أن يأتوا إلى بيوتنا لترميمها وتجميلها، لا لحمايتها من المطر بعد أن مزقها القصف. أريد لمعامل الرخام أن تصنع أشياء جميلة للأحياء، بدلاً من أن تنشغل بإعادة بناء قبور.

بعد كل ما عاناه لبنان، لا ينبغي أن يكون هذا مطلباً كبيراً. كل ما أتمناه هو أن يُسمح لنا جميعاً بأن نعيش حياة طبيعية من جديد في لبنان واحد ... لا لبنانان.

* (شعار أطلقه الرئيس صائب سلام في سبعينات القرن الماضي)