في خضم الفوضى التي تعصف بلبنان، حيث يغيب الأمن والاستقرار وتتدهور الخدمات الأساسية، قد يبدو الحديث عن الذكاء الاصطناعي ترفاً لا يوازيه واقعنا المرير. فبينما تشغل أمور كثيرة بال اللبنانيين، تتسارع عجلة التطور التكنولوجي في العالم، مما يسلط الضوء على الفجوة الهائلة بين طموحاتنا وإمكاناتنا. ولكن رغم الظروف الصعبة التي نمر بها، يبقى الأمل موجوداً. فمشاريع طموحة مثل "ستار غايت" تؤكد أهمية الذكاء الاصطناعي وتفتح آفاقاً جديدة أمام العالم أجمع خصوصاً في مكافحة السرطان. ومع ذلك، يتطلب تحقيق هذا الأمل تضافر جهود جميع الأطراف، من القطاع العام حتى الآخر الخاص، للعمل على توفير البيئة المناسبة لتطوير هذا المجال الحيوي. كما تجب الاستفادة من خبرات الكفاءات اللبنانية المنتشرة في العالم لإنشاء جسور تعاون بين لبنان والعالم المتقدم في الذكاء الاصطناعي.
أثار مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب "ستار غايت" لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ضجة واسعة بعد الإعلان عن استثمار ضخم يقدر كبداية بـ500 مليار دولار ليصل إلى تريليون دولار. هذا المبلغ الخيالي، الذي تساهم فيه دول كالسعودية بـ 600 مليار وإحدى شركات الإمارات بـ 30 ملياراً وغيرها، يكشف عن فجوة هائلة بين الدول المتقدمة والنامية في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يصعب مواكبة التطورات المتسارعة في القطاعات المختلفة وعلى رأسها قطاع الرعاية الصحية، لا سيما في مجال مكافحة الأمراض المستعصية كالسرطان. ولكن كيف يتم توزيع هذه المليارات؟ يجيب البروفسيور في جامعة فلوريدا ورئيس قسم الطب الشعاعي في "مركز كليمنصو الطبي" سابقاً نيكولا زوين قائلاً: "شهد مجال الذكاء الاصطناعي تطوراً ملحوظاً مع ظهور أجيال جديدة من الرقائق الإلكترونية المتخصصة، اخترعتها شركات أميركية وشركات أخرى أجنبية. هذه الرقائق، التي تُعرف بالشرائح، تم تصميمها خصيصاً لتلبية متطلبات الحوسبة المكثفة التي يتطلبها الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من إمكانية تشغيل برامج الذكاء الاصطناعي على أجهزة الكمبيوتر العادية أو الموبايل، فإن الأبحاث المتقدمة تتطلب حواسيب عملاقة (تبدأ تكلفتها من 80 ألف دولار وصولاً إلى مليارات الدولارات) مزودة بهذه الشرائح المتخصصة، والتي غالباً ما تكون ذات قيمة عالية جداً (أصغر شريحة تقدر تكلفتها بـ 25 ألف دولار)".
تعاون لبناني - أميركي
إذاً، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزدهر إلا بوجود بنية تحتية قوية من الحواسيب القادرة على تشغيل البرامج المعقدة. وبالتالي هذه التكاليف الباهظة تبقي بعض الدول خارج دائرة تطوير هذه التقنيات. فهل هذا يعني أنّ لبنان المفلس، لن يستفيد من الذكاء الاصطناعي خصوصاً في معالجة الأمراض السرطانية؟ يجيب زوين: "يمكن التغلب على هذا التحدي من خلال الاستفادة من خدمات الحوسبة السحابية مثل iCloud . هذا الأمر يتيح لدول مثل لبنان الوصول إلى قدرات حوسبة هائلة من خلال التعاون مع شركات عملاقة مثل Apple أو Google . وبذلك، يمكن لجامعات لبنانية مثلاً، الاستفادة من أجهزة الكمبيوتر العملاقة الموجودة في شركات أميركية من دون الحاجة إلى امتلاكها محلياً"، مضيفاً: "بالفعل، بدأ لبنان الاستفادة من بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي في ما يخص الأمراض السرطانية إذ يتم جمع بيانات من المرضى اللبنانيين (من مستشفى محدد) وإرسالها إلى مراكز أبحاث عالمية لتحليلها باستخدام أحدث التقنيات. على سبيل المثال، أصبح بإمكان الأطباء إرسال بيانات المرضى الطبية الخاصة بسرطان الثدي إلى مختبرات متخصصة في الولايات المتحدة لتحليلها بدقة وتحديد العلاج الكيميائي الأنسب لكل مريض على حدة، مما يزيد من فرص نجاح العلاج ويقلل من الآثار الجانبية. كذلك، في ما يخص سرطان البروستات. هناك شركات في الولايات المتحدة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الخزعات بدقة. وبعد فحص الصورة، يقدم البرنامج توصيات حول العلاج الأنسب للمريض".
شركات التأمين الذكية
على الرغم من قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات الطبية وتقديم توصيات قيّمة، إلا أن القرار النهائي بشأن العلاج يبقى بيد الطبيب المسؤول عن صحة المريض. فهو من يتحمل العواقب القانونية والأخلاقية لأي قرار يتخذه. وبالإضافة إلى التشخيص، يشير زوين إلى أنّ "الذكاء الاصطناعي يدخل أيضاً في مجال الأدوية. فبينما تعتبر عملية تطوير الأدوية المضادة للسرطان طويلة ومكلفة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم بشكل كبير في تسريع هذه العملية وتقليل التكاليف. ليس هذا فحسب، إذ يشهد قطاع الرعاية الصحية تطوراً كبيراً بفضل التكامل بين الأنظمة الرقمية. فبرامج المستشفيات الذكية في الدول المتطورة باتت ترتبط بأنظمة شركات التأمين عبر منصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ما يسمح بتبادل المعلومات الطبية بسرعة، وتسهيل عملية الموافقة على العلاجات وتسريع الإجراءات الإدارية".
استثمار لبناني خجول
قبل الأزمة الاقتصادية، كان الاستثمار اللبناني في أبحاث السرطان ضئيلاً جدّاً، حيث لم يتجاوز الـ200 ألف دولار سنوياً. هذا المبلغ المتواضع لا يكفي لدعم أبحاث علمية جادة في هذا المجال الحيوي. بحسب زوين "من الضروري زيادة الاستثمار في هذا القطاع لتطوير علاجات جديدة وفعالة للسرطان. في المقابل، أثبتت الشراكة بين القطاعين العام والخاص والجامعات في الولايات المتحدة فعاليتها في دفع عجلة البحث العلمي في مجال السرطان. ومن خلال الاستثمار المشترك في الأبحاث وتطوير التقنيات الطبية، تمكنت الجامعات الأميركية من تحقيق إنجازات ثورية واعدة. يمكن للبنان أن يستلهم هذا النموذج من خلال تشجيع الشراكات بين القطاعين الأكاديمي والصناعي، مما يساهم في تطوير أبحاث السرطان وتحقيق تقدم ملموس في هذا المجال".
الأدمغة اللبنانية غادر البروفيسور نيكولا زوين لبنان بسبب الأزمات المتتالية في البلاد بعد مسيرة زاخرة في علاج السرطان. هو يأسف جدّاً لرؤية هجرة الأدمغة اللبنانية في مختلف المجالات، ويقول: "لقد أثبتت شركات عالمية مثل "آبل" و"مايكروسوفت" وغيرهما أن أهم ثروة لأي بلد هي عقول مواطنيه. أتمنى أن يتحسن الوضع في لبنان لتعود الكفاءات اللبنانية إلى وطنها وتساهم في نهضته، وأن يكون التوظيف والترقية في كافة القطاعات مبنياً على الكفاءة والاستحقاق، بدل المحسوبية و"الواسطة". هذا هو السبيل الوحيد لإعادة جذب الكفاءات اللبنانية التي هاجرت إلى الخارج والاحتفاظ بها، وبناء مجتمع قوي ومزدهر". |