بشار حيدر

إن عدتم عدنا

3 دقائق للقراءة

مضى أكثر من ستين يوماً ولم تنسحب إسرائيل من الجنوب. حجتها في ذلك عدم تمكن الطرف اللبناني من إنجاز الجزء المتعلق بسلاح "حزب الله". بدوره اعتبر "الحزب" عدم الانسحاب خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار.

لكن "الحزب" لم يقم حتى الساعة بأي عمل عسكري صريح ضد إسرائيل أو جيشها. إنما أوعز لبيئته بتنظيم مسيرات شعبية سلمية باتجاه المناطق المحتلة. نجح جزء منها بالدخول إلى بعض القرى، فيما أطلق الجيش الاسرائيلي النار على جزء آخر فسقط العديد من القتلى والجرحى.

رأى "الحزب" ومؤيدوه في ذلك دليلاً قاطعاً على أن لا الاتفاقات الدولية ولا الجيش اللبناني يملكون القدرة على ردع إسرائيل والدفاع عن الجنوب وأهله، وأن لا بديل عن المقاومة لردع العدوان.


لكن هذا يبدو استنتاجاً معكوساً. فاللجوء إلى مسيرات سلمية هو بحد ذاته اعتراف ضمني من "الحزب" بعجز السلاح الذي كان يُفترض أن يمنع أو يردع الإسرائيليين أساساً من دخول جنوب لبنان واحتلال أجزاء منه، أو على الأقل أن يحرر ما احتُل لاحقاً. أما وأن يُدعى المواطنون العزل لإنجاز هذه المهمة، فلا يعني شيئاً إلا فشل السلاح في أداء مهامه وتبرير دوره المعلن. لقد كان من المفترض أن يقوم السلاح بحماية الأهل لا العكس.


بحسب منطق "الحزب"، الذي عوّدنا عليه ويخوّننا لرفضه، لا يفهم العدو إلا لغة القوة. فإذا كانت هذه هي الحال، فما الطائل إذاً من إرسال المدنيين إلى الخطوط الأمامية؟ بالتأكيد، لا يمكن أن يدّعي "الحزب" أنه فوجئ باستعداد إسرائيل لإطلاق النار على المواطنين العزل. فلماذا إذاً دفع بهم إلى تلك التهلكة؟

قد يقول البعض إن "الحزب" أراد أن يثبت للبنانيين وللعالم أن إسرائيل لا تحترم الاتفاقات ولا تتورع عن قتل المدنيين. لكن ألم تُقدِّم غزة، بحسب "الحزب" وآخرين، إثباتاً كافياً على ذلك؟ وهل نحن بحاجة إلى أدلة جديدة بكُلفٍ باهظة؟


قبل ربع قرن انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان بسبب عمليات المقاومة من جهة، ومطالبات الداخل الإسرائيلي بإنهاء احتلال مكلف لا طائل منه، من جهة أخرى. في حينه ساد اعتقاد في إسرائيل بأن انسحابهم هذا سيجلب لهم بعض الأمن وراحة البال على حدودهم الشمالية. أما "الحزب" ومناصروه فاعتبروا أن إسرائيل قد خرجت مهزومة ذليلة، وبالتالي لا حاجة أو جدوى لإعطائها ذلك الأمان الذي تصبو اليه. هكذا بنى "الحزب" ترسانة صاروخية هائلة وأعلن شعاره "يا قدس إنّا قادمون".


في الحرب الأخيرة قضى القادة والشبان ودمرت الأبنية والبيوت على "طريق القدس" تلك. وقبلها قضى الكثيرون عندما كانت طريق القدس تمر عبر تمكين نظام الأسد من قتل السوريين، وتعذيبهم، وتجويعهم، وتهجيرهم.


اليوم، وبلغة المعادلات التي يحبها "حزب الله"، تقول إسرائيل إن بقاء أو عودة سلاح "الحزب" إلى الجنوب يعنيان بقاءها فيه وعودتها للحرب. "إن عدتم، عدنا" بات شعار إسرائيل.


لقد آن الأوان للطائفة الشيعية أن تعود إلى بلداتها وأرزاقها وتعمر بيوتها وتعيش في سكينة مع نفسها ومع غيرها. وبغض النظر عما إذا كانت إسرائيل تفهم أو لا تفهم لغة غير لغة القوة، فإنها بلا شك لغة تتقنها أكثر من أعدائها بأشواط.


لنعترف بذلك على الأقل، ثم نرى بعدها ما يمكننا فعله.