ايلي الياس

نقيض لبنان (1): حزب البعث العربي الاشتراكي

5 دقائق للقراءة

في العام 1947، تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي في دمشق، حاملاً شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، ومروجاً لفكرة القومية العربية التي تُذيب الحدود والهويات الوطنية لصالح مشروع "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة". غير أن التجربة العملية لحزب البعث في الحكم، سواء في سوريا أو العراق، كشفت أن هذا المشروع لم يكن سوى غطاء لأكثر أشكال الحكم استبداداً، حيث تحول الحزب إلى أداة قمعية تُقدِّس القائد، وتُجرِّم المعارضة، وتفرض نظاماً أمنياً بوليسياً يقوم على إلغاء التنوع الفكري والسياسي والمجتمعي.


في هذا السياق، يصبح حزب البعث السوري نقيضاً تاماً لفكرة لبنان، ليس فقط على مستوى الشعارات، بل في جوهر الكيانين. فلبنان، الذي تأسس على التعددية الدينية والثقافية، وعلى مفهوم الدولة المدنية القائمة على التوافق بين مكوناته المختلفة، وجد نفسه على الدوام هدفاً لمحاولات البعث السوري لإخضاعه وإلحاقه بالمشروع الوحدوي القومي، تحت شعار "وحدة المسار والمصير".



البعث: من النظرية القومية إلى المشروع السلطوي

عندما اعتلى البعث السلطة في سوريا عام 1963، سرعان ما انقلب على شعاراته الأصلية. بدلاً من تحقيق الوحدة العربية، رسَّخ البعث نظاماً استبدادياً قائمًا على حكم العسكر، وتحول الحزب إلى أداة هيمنة، تُسخِّر كل موارد الدولة لضمان استمرار النظام السياسي نفسه. وعندما قاد حافظ الأسد "الحركة التصحيحية" عام 1970، كرَّس هذا النهج عبر بناء دولة أمنية تدين بالولاء المطلق لشخصه، وورَّثها لاحقًا لابنه بشار الأسد.


في هذا السياق، لم يكن لبنان بالنسبة للبعث السوري سوى "ساحة" يجب تطويعها لاستخدامها في الحسابات الإقليمية. فمنذ السبعينات، لعب النظام السوري دوراً أساسياً في توجيه الحرب الأهلية اللبنانية، متلاعباً بالأطراف الداخلية، ومارس احتلالًا مباشراً للبنان بين 1976 و2005، حيث فرض وصاية مطلقة على المؤسسات اللبنانية، وكرّس نظاماً قمعياً عبر الأجهزة الأمنية التابعة له.



الوصاية السورية: محو السيادة اللبنانية

عندما تدخل الجيش السوري في لبنان عام 1976، لم يكن ذلك لحماية لبنان من خطر التقسيم أو للحفاظ على السلم الأهلي، كما كان يروَّج، بل كان لتكريس سلطة دمشق على القرار اللبناني. استخدم النظام السوري ذريعة "ضبط الفصائل الفلسطينية" و"حماية لبنان من الاجتياح الإسرائيلي"، لكنه في الواقع سعى إلى ابتلاع الدولة اللبنانية وتحويلها إلى تابع سياسي وعسكري.


كانت سياسة البعث في لبنان قائمة على تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية، واستخدام البلاد كقاعدة لابتزاز المجتمع الدولي. فكانت دمشق تدير اللعبة السياسية اللبنانية من خلال التحكم بالمحطات الانتخابية، وتعيين الرؤساء، وقمع الأصوات المعارضة عبر الاعتقالات والاغتيالات. ووصل الأمر إلى استخدام لبنان كورقة مساومة في المفاوضات مع إسرائيل، كما حدث في حقبة ما بعد اتفاق الطائف.



لبنان والبعث: نقيضان في الجوهر

تتجلى المفارقة الكبرى بين لبنان وحزب البعث في طبيعة كلّ منهما. فبينما نشأ لبنان على التعددية والانفتاح والحريات، قام حزب البعث على حكم الحزب الواحد والقائد الأوحد، وعلى سياسة الإقصاء وقمع التنوع. ففي الوقت الذي يعتمد فيه لبنان على مبدأ توازن الطوائف في إدارة شؤونه، سعى البعث إلى إلغاء الهويات الوطنية لصالح هوية قومية مصطنعة، فرضها بالقوة والقمع.


كما أن البعث السوري لم يكن أبداً معنياً بالديمقراطية الحقيقية. فبينما يسمح لبنان - رغم أزماته - بممارسة سياسية تنافسية وتداول محدود للسلطة، استخدم البعث الانتخابات كأداة شكلية لإضفاء شرعية زائفة على أنظمته. وخير مثال على ذلك الاستفتاءات الرئاسية التي كان يفوز فيها حافظ الأسد ثم ابنه بشار الأسد بنسبة تفوق 99% من الأصوات، في حين كانت المعارضة تقمع بالسجون أو بالنفي.



إرث البعث في لبنان بعد 2005

مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 شباط 2005، بدأ العد العكسي للوجود السوري في لبنان. وأدى الضغط الشعبي والدولي إلى خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان من العام نفسه. لكن رغم الانسحاب العسكري، لم ينتهِ تأثير البعث على الساحة اللبنانية. فخلال العقود التي قضاها في لبنان، زرع النظام السوري أدواته في المؤسسات الأمنية والسياسية، ولا تزال هذه الأدوات تعمل على عرقلة أي مشروع سيادي للدولة اللبنانية.



نهاية حزب البعث في سوريا وتأثيرها على لبنان

في كانون الأول 2024، أعلن المتحدث باسم إدارة العمليات العسكرية في سوريا عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وما يتبع لها من مؤسسات ومنظمات، ومنع إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر. وتمت مصادرة جميع أصول هذه الأحزاب وضمها إلى الدولة السورية. حزب البعث، الذي كان لعقود أداة للقمع والسيطرة الإقليمية، لم يعد موجوداً حتى في معقله الأساسي بسوريا.


إن معركة اللبنانيين ضد حزب البعث السوري لم تكن مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل كانت صراعاً وجودياً بين مشروعين متناقضين: مشروع لبنان التعددي الحر، ومشروع البعث الاستبدادي الشمولي. وحتى بعد سقوط نظام الأسد، فإن بقايا هذه المدرسة القمعية لا تزال حاضرة، مما يجعل المعركة من أجل الحفاظ على سيادة لبنان واستقلالية قراره السياسي معركة مستمرة، لا تقل أهمية عن أي وقت مضى.