كان الرئيس شارل حلو يشكو في مجالسه الخاصة من أن الرئيس الذي يعرف المرض اللبناني لا يستطيع تشخيصه ولا توصيف الدواء ولا جلبه، وإذا استطاع فإنه لا يستطيع استعمال الدواء. وترجمة ذلك أن المرض اللبناني هو بالنسبة إلى التركيبة السياسية الوضع العادي الذي لا حياة لها من دون أن يكون مستداماً. وكلما ازدادت خطورة المرض طالت الحياة السياسية للنافذين وازدادوا ثراء ونفوذاً. ولبنان اليوم في أعلى مراحل المرض. لكن التحولات الهائلة في المنطقة وشدة الأزمات الضاغطة على اللبنانيين فعلت فعلها على طريقة الديالكتيك الماركسي: "التراكم الكمي البطيء يؤدي إلى تحوّل كيفي سريع". إذ سمحت بوصول رئيس جمهورية ورئيس حكومة من خارج الصندوق.
الرئيس جوزاف عون شخّص في خطاب القسم المرض ووصف العلاج وتعهد الحصول عليه واستعماله. ورئيس الحكومة نواف سلام أعلن التزامه التصدي للأخطار ومعالجة المشاكل المستعصية. والإمتحان مزدوج للرئاسة وحكومة "الإصلاح والإنقاذ". واحد أمام اللبنانيين. وآخر أمام العرب والعالم. والرهانات كبيرة، لكن الذين أدمنوا ارتهان لبنان ليسوا قلة، ولا هم خارج اللعبة. فما فعله رئيس الحكومة بالتفاهم مع رئيس الجمهورية بدا نقلة إلى الأمام في تأليف الحكومات. وما اصطدم به هو قوى قادرة على التعطيل بالرفض والمقاطعة، كما بالمشاركة على النمط القديم. وليس هناك حكومات مثالية بالطبع. لا حيث يؤلف الحزب الفائز في الانتخابات الحكومة كما في بريطانيا، ولا حيث تكون الحكومات إئتلافية كما في ألمانيا. ومن يطلب حكومة كاملة الأوصاف في لبنان يضمن لنفسه سلفاً خيبة الأمل. إذ "الكمال عدو الجيد"، حسب مثل أميركي.
ذلك أن حكومة الرئيس سلام تبدو "حكومة لمهمة" طالب بها الرئيس ماكرون بعد انفجار المرفأ. وهي، لجهة التوقيت، حكومة لمرحلة انتقالية، غير أنها محكومة بأن تكون تأسيسية. فمنذ "الانقلاب على الطائف" رأينا حكومات مهمتها "صنع الأزمات"، وحكومات تحاول "إدارة الأزمات"، ولم نرَ حكومة "حل الأزمات".
وهذا هو التحدي الكبير. أولاً في الإصلاحات التي بقيت عصية على الحل، ومن دون تحقيقها لا خروج من الهاوية ولا إنقاذ. وثانياً في إنهاء "عسكرة لبنان" تحت عنوان فلسطين ضمن مشروع إقليمي إيراني، ومن دون ذلك لا بناء دولة ولا "احتكار الدولة للسلاح" كما وعد رئيس الجمهورية في خطاب القسم. وبداية النهاية للعسكرة هي التطبيق الفعلي للقرار 1701 والقرارات المرتبطة به واتفاق وقف النار. وثالثاً في العمل بموجب الدستور وتطبيق اتفاق الطائف، لأن الحكومات يتم تأليفها رسمياً وشكلياً بناء على مواد في الدستور، ثم تقضي عمرها في التصرف من خارج الدستور، ويدعمها القادرون على تعطيل الدستور وإغلاق المجلس النيابي من دون أي حساب. ولم يكن وارداً إقصاء "حزب الله" عن الحكومة كما طلبت إدارة رئيس دونالد ترامب. لكن المفترض أن تعمل الحكومة وأن ينظر إليها الداخل والخارج بالجملة لا بالمفرق. ومن الصعب الذهاب إلى الإصلاح والإنقاذ إذا استمر "حزب الله" في العمل كأن التحولات لم تحدث وكأن لبنان محكوم بحرب دائمة على مراحل، خلافاً لما حدث في سوريا وما أجمعت عليه الدول العربية، وهو التأكيد أن "السلام خيار استراتيجي". فلا حكومة في لبنان بمعزل عن الاتجاه العام في العالم العربي والعالم، وإن كانت هناك حكومات في معزل عن الأزمات العميقة وهموم الناس. ولا من المصلحة الوطنية أن نتجاهل ما قاله فيليب حبيب موفد الرئيس ريغان إلى لبنان في الثمانينات وهو: "نحن نحب النجاحات، ولكن عندما تتعقد الأمور نتخلص منها فوراً".
في لقاء أميركي-صيني أيام ماو ونيكسون قال كيسينجر لشو آن لاي:
"أريد التحدث في ستة مواضيع، فردّ شو: "ما يهمنا موضوع واحد هو تايوان". وهذا درس لنا لكي نركز على الهدف.