رحل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمس عن 91 عاماً في الولايات المتحدة، حيث كان قد توجّه في تموز الماضي لاستكمال علاجه الطبّي بعد خضوعه لعمليّة جراحيّة، فيما نعته دول عربيّة وغربيّة عدّة، على رأسها السعوديّة والإمارات والأردن ومصر.
وكانت الكويت قد نقلت في 18 من تموز الماضي بعض صلاحيّات أمير البلاد لولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح (83 عاماً)، الذي أعلنه مجلس الوزراء الكويتي أمس أميراً للبلاد، على أن يؤدّي اليمين صباح اليوم.
ووصل الأمير صباح إلى سدّة الحكم في مطلع العام 2006 بعدما صوّت البرلمان المنتخب لصالح إعفاء ابن عمّه الشيخ سعد من مهامه، بعد أيّام فقط من تعيينه أميراً للبلاد، بسبب مخاوف على وضعه الصحي، وتسليم السلطة إلى الحكومة برئاسة الشيخ صباح، الذي اختير أميراً في ما بعد.
وكان الشيخ صباح وزيراً للخارجيّة الكويتيّة لسنوات طويلة، وعرف عنه خلال فترة عمله في الوزارة بكونه وسيطاً موثوقاً من قبل الدول الإقليميّة والمجتمع الدولي. كما يُنظر إليه بأنّه مهندس السياسة الخارجيّة الحديثة لدولة الكويت، بحيث لُقّب بـ"عميد الديبلوماسيّة" و"حكيم العرب".
وعايش الأمير الراحل أخطر أزمات بلاده والمنطقة، وخطّ مسيرة سياسيّة حافلة بالأحداث التاريخيّة والوساطات. وخلال عمله على رأس وزارة الخارجيّة لأربعة عقود، نسج علاقات وطيدة مع الغرب، خصوصاً مع الولايات المتحدة التي قادت الحملة العسكريّة لتحرير الكويت من الإحتلال العراقي العام 1991.
وولد الشيخ صباح في السادس عشر من حزيران 1929، وهو نجل حفيد الشيخ مبارك الصباح، مؤسّس الكويت الحديثة والذي عرف بسياساته المتشدّدة منذ أن أمر بالتخلّص من أخويه لترسيخ الحكم في يد أمير واحد. والشيخ صباح، الأمير الـ15 للكويت التي تحكمها أسرته منذ 250 سنة، ساعد بلاده على تخطّي تبعات غزو العراق وانهيار الأسواق العالميّة والأزمات المتلاحقة داخل مجلس الأمة الكويتي والحكومة.
وتولّى أوّل منصب حكومي له العام 1962، وكان عمره 33 عاماً، وأصبح وزيراً للخارجيّة في العام اللاحق، قبل أن يخرج من الحكم لبضعة أشهر ويعود وزيراً للخارجيّة. ففي نيسان 1990، جرى تأليف حكومة جديدة لم يكن عضواً فيها، بعدما شعر بعض الكويتيين أن دوره خلال غزو العراق كان يُمكن أن يكون أكثر قوّة، لكنّه عاد إلى الحكومة اللاحقة التي أبصرت النور في تشرين الأوّل 1992.
ولم يمنع هذا الأمر من الحدّ من طموحات الوزير الذي أصبح رئيساً للوزراء العام 2003، ما قرّبه خطوة إضافيّة من سدّة الحكم. وما أن تسلّم منصب الأمير، حتّى شرع في ترسيخ نفوذه في الداخل، فقام بحلّ البرلمان بعد 4 أشهر من تولّيه دوره الجديد إثر خلاف بين المشرّعين والحكومة.
وحُلّ البرلمان، الذي غالباً ما شهد مناوشات بين أعضائه، خصوصاً بعدما سيطر عليه الإسلاميّون في مناسبتَيْن، سبع مرّات بأوامر من المحكمة أو من قبل الشيخ صباح، آخرها في تشرين الأوّل 2016.
وعلى الرغم من تقدّمه بالسنّ، ظلّ الأمير الراحل منخرطاً إلى حدّ كبير بالأعمال اليوميّة وبالسياسة الإقليميّة والدوليّة، وقد حضر في نهاية أيّار 2019 ثلاث قمم خليجيّة وعربيّة وإسلاميّة في مكّة، استمرّت أعمال كلّ منها حتّى ساعات الصباح. ودعا خلال هذه القمم إلى نزع فتيل الأزمات الإقليميّة وخفض التصعيد في الخليج، بينما كانت التوترات تزداد بين الولايات المتحدة وإيران وتوحي بحرب وشيكة.
وفي الأشهر الأخيرة من حياته، قاد الأمير جهود بلاده لمواجهة فيروس "كورونا المستجدّ"، وكانت الكويت من أولى دول الخليج التي اتّخذت إجراءات إغلاق صارمة لمنع انتشار الوباء الذي أصاب أكثر من 100 ألف من سكّان البلاد، وتسبّب بأكثر من 600 حالة وفاة.