جوزيفين حبشي

فيلم "Prodigieuses": يد واحدة تصفّق... أربع تعزف!

4 دقائق للقراءة

سؤال: هل يستطيع شخص التصفيق بيد واحدة بدل اثنتين؟ سؤال آخر. هل يستطيع الشخص نفسه عزف البيانو بأربع أيدٍ بدل اثنتين؟ قبل أن تتسرّعوا في الإجابة، شاهدوا الفيلم الفرنسي "Prodigieuses" الذي تنطلق عروضه في الصالات اللبنانية هذا الأسبوع.


الفيلم مقتبس عن قصة استثنائية حقيقية مستوحاة من سيرة الشقيقتين التوأم أودري ودايان بلينيت، من ألزاس، اللتين سخّر والدهما حياته وحياتهما بالكامل ومنذ طفولتهما من أجل شغفهما بالبيانو، وتحوّلهما أعظم عازفتين عالميّتين. رغم تفوّقهما ودخولهما أرقى معهد لتعليم الموسيقى، ستكتشفان فجأة أنهما مصابتان بمرض وراثي يفتك بعظام اليد والعضلات والأربطة. هذا يعني وداعاً للعزف ووداعاً لشغف العمر وحلم العمر وكل ما تمنّتاه يوماً.


رغم استحالة المتابعة في العزف، لن تستسلم الفتاتان وستحاربان قدرهما وتهزمانه عن طريق تطويرهما تقنية ستتحايلان من خلالها على الإعاقة التي تعانيان منها. العزف بطريقة دائرية لعدم إيلام المفاصل، وبأربعة أيدٍ بدل اثنتين، لملء فراغ أي ثغرة نحو الكمال...



مقاومة وانتصار

لقد قاومتا وانتصرتا، فأعادتا خلق موهبتهما، بأدوات جديدة، وتقنيات جديدة وإعادة كتابة وتوزيع نوطات جديدة. إنهما التوأم أودري ودايان بلينيت في الحياة، وجان وكلير فاللوا على الشاشة. إنهما ميلاني روبير (جان) وكامي رازات (كلير) اللتان أبدعتا في دور الشقيقتين وجعلتانا نصدّق (بفعل الأداء والماكياج والملابس ولون الشعر وقصّته) أنهما توأم، رغم أنهما ليستا شقيقتين ولا توأماً ولا متشابهتين حتى.


أداء رائع لكلتيهما، يوازي بأحاسيسهما المتضاربة وحضورهما الطاغي وانفعالاتهما العديدة، العزف المبهر للشقيقتين الفعليّتين أودري ودايان بلينيت. أداؤهما الرائع، تواطؤهما الجميل، تناغمهما الكبير، منافستهما الخفيّة، حبّهما المطلق لبعضهما البعض وللموسيقى، إضافةً إلى المقطوعات الموسيقية التي تمّ تقديمها، وإلى أداء كلّ من فرانك دوبوسك بدور والدهما، وإيزابيل كاري بدور والدتهما، والممثّل الألماني أوغست ڤيتجنشتاين بدور بروفيسور الموسيقى القاسي كلاوس لينهارد، هي من دون شك، "دو ري مي" نجاح هذا الفيلم، من كتابة وإخراج فريديريك بوتييه وابنه فالنتان.



قدر استثنائي

في شريطهما السينمائي الروائي الطويل الأول، المقتبس عن سيرة ذاتية، أتخيّل أنّ الأب وابنه جلسا وجهاً لوجه قبل الانطلاق في إعداد الفيلم، وتساءلا: كيف نروي قصة قدر استثنائي من خلال سيناريو سينمائي؟ هل نعتمد أسلوباً مشابهاً للقدر الخارج عن المألوف، فيه جنون وجموح نحو الدهشة، و "شقلبة" عند كلّ مفترق مشهد، أو نختار تلاوة الأحداث بشكل تسلسلي ومتوقع، إيماناً منّا أنّ القصّة بحدّ ذاتها استثنائية ولا داعي للإضافات باعتبار كل شيء زاد عن حدّه بالمعنى نقص؟


سؤال ثانٍ لا بدّ أنه خطر لهما أيضاً: كيف نروي قصة قدر استثنائي بمشهدية سينمائية؟ نختار أسلوباً بصرياً مبتكراً وخارجاً بدوره عن المألوف، تماماً مثل القصة التي نرويها، أو نعتمد مشهدية كلاسيكية، ملمّعة، منمّقة، تسلسلية، اقتناعاً منّا أنّ القصّة بحدّ ذاتها استثنائية ولا داعي للإضافات باعتبار كل شيء زاد عن حدّه بالمعنى نقص؟


ولأنّ كافة الإجابات صحيحة ولا خطأ باعتماد أيّ من هذه الأساليب، كان خيارهما اعتماد أسلوب كلاسيكي لتقديم هذه القصة الخارجة عن المألوف. قدّما القصة بشكل متسلسل زمنياً، هادئ نسبياً، متوقّع غالباً، وتركا الدهشة والإبهار للأداءات التمثيلية والموسيقية التي جعلتنا نحلّق مستمتعين، ونغرق في الوقت عينه في أعماق وجع هذه العائلة بأحلامها التي كادت تتبخّر في لحظة مصيرية، لولا قرار بالصمود والمقاومة ورفض الأمر الواقع ورفض العزف عن العزف…


يد واحدة لا تصفّق؟ من قال؟ الضعف ليس قوة؟ من قال؟ و… كلّنا سنصفّق عند المشهد الختامي لفيلم أثبت أنّ الضعف سيتحوّل قوّة، طالما أنّ الصمود والإيمان بالأحلام غير مصابين بأية هشاشة.