مارك اليان

انتصار خطاب القسم والبيان الوزاري

3 دقائق للقراءة

حتّى 9 كانون الثاني 2025، عندما كان يسألني أحدٌ عن رأيي في انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهوريّة اللبنانيّة، كنت أجيب بشكل صريح أنّني ضدّ. لم أكن يوماً ضدّ شخصه، ولا حتّى ضدّ أدائه على رأس المؤسّسة العسكريّة، وهو أداء مشرّف للغاية سيتذكّره غالبيّة اللبنانيّين. لكنّي كنت ضدّ خرق الدستور وتكريس عادة انتخاب قائد الجيش رئيساً للدولة، خاصّةً بعد التجارب السّابقة.


أن تكون منسجماً مع قناعاتك شيء، وأن تكون متشبّثاً بالرأي شيء آخر. الأوّل أجمل ما خلقته السياسة، والثاني أسوأ ما أنتجته. في سياقنا، ومثل العديد من اللبنانيّين المتردّدين أو المعارضين لانتخاب الرئيس جوزاف عون، كان خطاب القسم هو الذي جعلني أغيّر رأيي. كمواطن يؤمن بالمشروع الفدرالي وبحياد لبنان وبمبدأ حصريّة السّلاح، فوجئت بشكل إيجابي عندما أعلن الرئيس المنتخب سعيه لتحقيق "اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة" و "الحياد الإيجابي" و "حقّ الدولة في احتكار السّلاح". من كان يحلم قبل أقلّ من شهرين بانتخاب رئيس يؤيّد هذه المفاهيم؟ ماذا لو تمّ انتخاب رئيس يستخدم على مدار الساعة مفاهيم غامضة مثل "الاستراتيجيّة الدفاعيّة" أو "تحييد لبنان"؟ علماً أنّ المفهوم الأوّل غير موجود أصلاً في الدراسات العسكريّة، ولا المفهوم الثاني في العلوم السياسيّة…


في 13 كانون الثاني، لم أكن متحمّساً كثيراً لفكرة تعيين القاضي نوّاف سلام رئيساً للحكومة. قرأت كتابه بعنوان "لبنان بين الأمس والغدّ" فور نشره عام 2023، لكنّي لم أقتنع بالإصلاحات التي اقترحها فيه. كطالب علوم سياسيّة ينتمي إلى مدرسة فكريّة ترى أنّ أزمة لبنان هي أزمة نظام، اعتبرت أنّ الاكتفاء بتطويره لا يمكن أن يقودنا إلى الخلاص. إضافةً إلى ذلك، كنت من أشدّ المعارضين لتشكيل حكومة وحدة وطنيّة ومنح وزارة الماليّة لـ"الثنائي" الشيعي، معتبراً أنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ بتشكيل حكومة متجانسة وخلع حقيبة الماليّة من مغتصبيها. التنازلات التي قدّمها رئيس الحكومة نوّاف سلام لـ"الثنائي" الشيعي دفعتني إلى الاعتقاد بأنّ الأفق سيبقى مسدوداً لفترة إضافيّة، وأنّ هذه الحكومة لا يجب أن تنال الثقة.


رغم كلّ ما سبق، أتى البيان الوزاري متطابقاً مع تطلّعات أكثريّة اللبنانيّين، ليدفن ثلاثيّة "جيش، شعب، مقاومة" ويؤكّد احتكار الدولة لحمل السّلاح وضمان عودة النازحين السّوريّين ورفض التوطين الفلسطيني والالتزام بالتدقيق الجنائي وغيرها من القضايا الأساسيّة. إذاً، كما دعم بعض اللبنانيّين رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون فور إلقائه خطاب القسم، لا بدّ من دعم رئيس الحكومة القاضي نوّاف سلام هذه المرّة. فالسياسة فنّ الممكن، وربّما ما حصلنا عليه اليوم هو أفضل الممكن.