كوليت مرشليان

معرض "الفن المنحطّ" في "متحف بيكاسو"

هكذا شنّ هتلر أكبر حملة "رقابة فنيّة" في القرن العشرين

4 دقائق للقراءة

في 18 شباط الجاري، بدأت فعاليات معرض بعنوان "الفن المنحط" أو "قضية الفن الحديث تحت وطأة النازية"، في "متحف بيكاسو" بباريس. المعرض يُشكّل حدثاً بارزاً إذ يضمّ مجموعة من الأعمال التشكيليّة التي اعتبرها هتلر، زمن الرايخ الثالث، "منحطّة" ودون المستوى، فعمل على تهشيمها. كما اعتبر أنّ رسّامي تلك المرحلة هدّدوا الفنّ بالتشويه والتزوير والتضليل والابتعاد عن القيم. واعتُبر هذا العمل بعد حين، أكبر حملة رقابة فنيّة في القرن العشرين.

60 قطعة معروضة اليوم تشكّل جزءاً من اللوحات والمنحوتات والرسوم التي عُرضت عام 1937 في ميونيخ، تحت عنوان "الفن المنحطّ". وكانت المجموعة مؤلفة من 600 قطعة فنيّة من مختلف التيارات الفنيّة آنذاك، ولائحة الأسماء تضمّ: أوتو ديكس، وإرنست كيرشنر، وكاندنسكي، وبول كلي، وماكس بيكمان، وبيكاسو... أما الأعمال التي حرقها هتلر في برلين عام 1939 فوصل عددها إلى 5000 قطعة فنيّة.


حقد قديم

المعروف أنّ حقد هتلر على الفنانين التشكيليين بدأ مع عدم قبوله بـ "معهد الفنون" في فيينا، وهو في سنّ المراهقة، بعد رسوبه في امتحان الدخول، وكان حلمه أن يصبح رسّاماً. يربط بعض المحلّلين هذه الحادثة بما قام به في تلك الحقبة، من "عملية تطهير" لمجموعات فنيّة ألمانية وسواها، وكان يلاحق الفنانين ويسجنهم. ويتحدّث بعض المؤرخين عن حوالى 2000 لوحة من أعمال فان غوغ ومارك شاغال وبابلو بيكاسو وغيرهم، سُحبت أو بيعت في مزادات رخيصة أو تُلفت حرقاً. وشمل التّلف كلّ أعمال المراحل من التعبيريّة إلى التجريديّة مروراً بالدادائيّة. ساهم في الحملة معاونه جوزف غوبلز الذي صرّح آنذاك أنّ "عمليّة التطهير" ستنال كلّ "الأغبياء" و "المريضين عقلياً" و "المجرمين" و "اليهود" و "البولشوفيين" الذين يهدّدون "النقاء الألماني".


جولة في المعرض

المعرض الحالي في "متحف بيكاسو" يبدأ بجداريّة ضخمة تضم لائحة بحوالى 1400 من الفنانين الذين لاحقهم النظام النازي وقد جُرّدوا كلّهم من مهامهم كمدرّسين أو مُحاضرين في المعاهد والجامعات وتمّ نفي بعضهم وقتل البعض الآخر، وبالتأكيد لم يعرفوا جميعهم الشهرة العالمية والكثير منهم طواهم النسيان. أمّا اللوحات التي أُنقذ البعض منها، فيضيء هذا المعرض عليها وعلى مسارها التاريخي.

صفة "الانحطاط" لم تبدأ مع هتلر، إنما تاريخياً فقد بدأت منذ القرن 19 في العلوم والطب والأنثروبولوجيا وتاريخ الفنون. وأول من استخدم هذا التعبير بجديّة، عالم الاجتماع الهنغاري والناقد ماكس نوردو، في كتابه "انحطاط" (1892) حيث وضع كلّ أنواع "الفن الحديث" ومراحله من الانطباعيّة إلى الرمزيّة والتعبيريّة، تحت خانة "الأمراض النفسيّة والعقليّة". وفي ثلاثينات القرن العشرين، استخدم النازيّون هذه النظريات، وأكثر اللوحات المتضرّرة من جرّاء ذلك، تلك المتعلّقة بالتكعيبيّة والتوحّشيّة والدادائيّة. وقد دخل النازيون إلى المتاحف وجرّدوها من كل الأعمال الخاصة بهذه المراحل وعرضوها في المعرض الشهير تحت عنوان "الفن المنحطّ". وللمفارقة عرف المعرض ازدحاماً هائلاً وزوّاره تعدّوا المليونين في أربعة أشهر.

لكن ثمة لوحات كثيرة ضائعة حتى اليوم ولا يُعرف مصيرها إذا كانت قد أُتلفت في تلك المرحلة أم هي ضمن مجموعات خاصة.


مفارقة

والمفارقة أن أشهر لوحات بيكاسو اليوم، وهي "غيرنيكا"، رسمها عام 1937 كردّ فعل على القصف على إسبانيا في الحرب. وحين كانت تُصنّف أعماله بالمنحطّة في ألمانيا، كان في بلده بطلاً ورمزاً للمقاومة في وجه الفاشيّة.

وتُعلّق رئيسة "متحف بيكاسو" في باريس سيسيل ديبريه على الموضوع بأنها تستغرب كيف أنّ فرنسا تركت هذه المسألة معلّقة حتى اليوم، إذ كان يتوجّب على المسؤولين أخذ هذا الموضوع بجديّة كبرى لمعرفة مصير المئات من الأعمال الفنيّة المختفية منذ ذلك الحين.

يستمرّ هذا المعرض في باريس حتى 25 أيّار 2025.