في خطوة تاريخية تأتي في سياق التحوّلات الجيوسياسية المزلزلة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط أخيراً، وبعد كفاح دموي امتد على مدى أربعة عقود في سبيل حق تقرير المصير، دعا الزعيم التاريخي للكرد، رئيس "حزب العمال الكردستاني" عبدالله أوجلان، من زنزانته في سجن جزيرة إمرالي في تركيا التي يقبع فيها منذ 26 عاماً، حزبه المصنف إرهابياً من قِبل تركيا والغرب، إلى عقد مؤتمر بهدف حلّ نفسه وإلقاء السلاح، الذي واجه فيه المشاريع الشمولية والانصهارية منذ ثمانينات القرن الماضي. ونظراً إلى الانتشار الواسع للحزب الذي يملك فروعاً وحلفاء ومتعاطفين في العراق وسوريا وإيران، فضلاً عن تركيا، توقع مراقبون أن يكون لدعوة أوجلان ارتدادات ميدانية وسياسية قد ينتج عنها مقاربة جديدة للقضية الكردية من قِبل الدول الإقليمية المعنية.
شن أوجلان، من خلال "العمال الكردستاني"، كفاحه المسلّح ضدّ أنقرة عام 1984 بهدف إنشاء دولة مستقلّة للكرد، الذين يشكّلون غالبية السكان في جنوب شرق تركيا، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف. بعد اعتقاله من قِبل الاستخبارات التركية في العاصمة الكينية نيروبي عام 1999، تراجع أوجلان عن مطالبته باستقلال شعبه، داعياً بدل ذلك إلى منح كرد تركيا الحقوق التي يستحقونها والاعتراف بلغتهم. وانعكس هذا التحوّل في بيان أوجلان الأخير، بحيث نبذ فيه مشاريع الانفصال والحكم الذاتي وحتى الفدرالية. وجاءت دعوة أوجلان بعد اقتراح قدّمه رئيس الحركة القومية التركية وحليف الرئيس التركي دولت بهجلي، يقضي بإمكانية الإفراج عن أوجلان إذا أقنع "العمال الكردستاني" بالتخلّي عن الكفاح المسلّح.
بالنسبة إلى أنقرة، تطوي دعوة أوجلان صفحة دموية من التاريخ التركي الحديث، لكن تبقى العبرة في التنفيذ، إذ هناك احتمال ألّا يمتثل حزبه أو بعض قادته لبيانه، الذي لم يتضمّن أي إشارة إلى تنازلات قدّمتها إدارة أردوغان مقابل تخلّي "العمال الكردستاني" عن سلاحه وحلّ نفسه. حتى لو التزم أردوغان باقتراح بهجلي بالإفراج عن أوجلان، قد لا يكون ذلك كافياً بالنسبة إلى "العمال الكردستاني" الذي دفع ثمناً باهظاً في صراعه مع أنقرة بهدف دفعها إلى الاعتراف بالشعب الكردي ولغته وحقوقه.
ورأى المراقبون أن التنازلات المحتملة التي قد تقدّمها أنقرة لتشجيع قادة "العمال الكردستاني" على تلبية دعوة أوجلان، تشمل العفو عنه أو تخفيض حكم المؤبّد الذي يُنفذه، والعفو عن قادة آخرين للحزب وتسوية أوضاع أعضائه، ودعم ميزانيات البلديات ذات الغالبية الكردية، وبحث إمكانية الاعتراف باللغة الكردية واعتمادها كلغة ثانية، لكن من المتوقع أن تنتظر إدارة أردوغان موقف "العمال الكردستاني" من دعوة رئيسه وكيفية تعامله معها، قبل أن تقدّم أي تنازلات.
في حال نجحت تركيا في تحقيق تسوية تاريخية مع "العمال الكردستاني"، قد يخلق ذلك زخماً ويُهيّئ الأرضية لمعالجة أزمة أنقرة ودمشق مع "الإدارة الذاتية" لشمال وشرق سوريا وذراعها العسكري "قسد"، التي يُشكّل الكرد عمودها الفقري والمدعومة أميركياً، إذ منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، تخوض تركيا والفصائل السورية المتحالفة معها اشتباكات ضارية مع "قسد" في سوريا، في وقت جرى فيه إقصاء "الإدارة الذاتية" عن "مؤتمر الحوار الوطني" الذي عُقد هذا الأسبوع، بسبب رفض "قسد" تسليم سلاحها.
واعتبر قائد "قسد" مظلوم عبدي أن بيان أوجلان خطوة إيجابية تنزع عن تركيا الذريعة التي تستخدمها لضرب قواته التي تعتبرها امتداداً لـ "العمال الكردستاني"، إنما شدّد على أن دعوة أوجلان إلى إلقاء السلاح لا تعني قواته. ولكن، في حال قدّمت أنقرة تسوية عادلة لـ "العمال الكردستاني" أسفرت عن إلقائه سلاحه وانخراط أعضائه في العمل السياسي، قد يُشكّل ذلك نموذجاً يُمكن لدمشق اتباعه لتسوية مسألة "قسد".
يمتدّ وجود "العمال الكردستاني" إلى شمال العراق، خصوصاً في جبال قنديل في إقليم كردستان، حيث تشن تركيا دورياً عمليات عسكرية فيه، ما يؤدّي إلى زعزعة استقرار الإقليم، هذا ما دفع رئيس كردستان نيجيرفان بارزاني إلى الترحيب بدعوة أوجلان، فيما اعتبرت بغداد أن دعوة أوجلان "مهمّة" للأمن الإقليمي. من المتوقع أن تدفع بغداد وأربيل في اتجاه تنفيذ الحزب لدعوة أوجلان تجنباً لتوترات مع تركيا، التي باتت تلاحق أعضاء الحزب بضراوة أكبر، ما يُثير مخاوف العراق من عملية عسكرية تركية واسعة ضدّ الحزب داخل الأراضي العراقية، في حال رفض التخلّي عن الكفاح المسلّح.
أما في إيران، حيث يقاتل نظام الملالي المسلّحين الكرد، بما في ذلك حزب "الحياة الحرّة" الكردستاني، الذي يسعى إلى الحكم الذاتي للكرد الإيرانيين المقموعين وله صلات بـ "العمال الكردستاني"، فرحّبت الخارجية الإيرانية بدعوة أوجلان. ولكن، من المستبعد أن تدفع دعوة أوجلان الكرد الإيرانيين، الذين لطالما لعبوا دوراً محورياً في الاحتجاجات ضدّ النظام، إلى التخلّي عن الكفاح المسلّح، نظراً إلى طبيعة النظام الثيوقراطي في طهران وعدم قدرته على تقديم التنازلات المرجوّة. لذا، من المرجّح أن يستمرّ الصراع بين طهران والكرد الإيرانيين، طالما أن نظام الجمهورية الإسلامية صامد.
بعد إعلان أوجلان التاريخي، باتت الكرة اليوم في ملعب تركيا التي يجب أن تطرح تصوّراً عادلاً وواقعياً للتسوية مع "العمال الكردستاني"، كي تُقنع قادته بتنفيذ دعوة أوجلان، ما قد يُشكّل نموذجاً لتسوية صراع أنقرة ودمشق مع "قسد" ويشجع قادة "العمال الكردستاني" في العراق على تسليم سلاحهم. ولكن، يجزم خبراء في شؤون الأقليات الدينية والعرقية في الشرق الأوسط أن أي تسوية قد تقدّمها أنقرة للكرد الأتراك لا تشمل درجة معيّنة من الاستقلالية أو الحكم الذاتي أسوة بكرد العراق، لن تكون مستدامة، حتى لو ألقى "العمال الكردستاني" سلاحه وحلّ نفسه، إذ ستبقى مسألة قمع حق الكرد في تقرير مصيرهم ومحاولة صهرهم في ثقافة مختلفة عن ثقافتهم، عاملاً مساعداً في نشوء حركات مسلّحة جديدة، ستسعى إلى تحقيق أهدافها عسكرياً ما لم يتمكّن الكرد من تحقيقها سياسياً.