ريتا عازار

في رحلة عبر الألوان والهويّة والأنوثة

لوحات إيناس لونجيفيال مرآة ذاتها

6 دقائق للقراءة

في عالم الفن المعاصر، تبرز أسماء قليلة تمتلك القدرة على خلق لغة بصريّة فريدة تمزج بين التجريد والذاتية. ومن بين هؤلاء، برز اسم إيناس لونجيفيال كواحدة من أبرز الفنانات التشكيليات اللواتي استطعن أن يحوّلن اللون والشكل إلى وسيلة استكشاف عميقة للهوية والأنوثة. من خلال لوحاتها التي تمزج بين التأثيرات التكعيبية والتعبيرية، تقدّم لنا لونجيفيال رحلة بصرية تستكشف الجمال، والعواطف، والأثر النفسي للألوان على الذاكرة والوجدان.


وُلدت إيناس لونجيفيال عام 1990 في مدينة أجان جنوب غرب فرنسا، وهي منطقة هادئة غنيّة بالتاريخ والثقافة. صغيرة جداً، أظهرت ميلاً واضحاً نحو الفن، حيث بدأت برسم الوجوه والملامح البشرية على دفاترها المدرسية، محاولةً التقاط التفاصيل التي تحكي قصصاً مخفيّة خلف كل تعبير. تأثرت بشكل كبير بوالديها، فقد كان والدها يعمل في مجال البناء، بينما كانت والدتها تُدرِّس اللغة الإسبانية. ومن خلال هذا الخليط الثقافي بين البنية واللغة، بدأ يتشكّل وعيها البصري، حيث تعلّمت أنّ كل خطّ وكلّ لون يحملان معاني عميقة.


كانت الكتب الفنية العائلية نافذتها الأولى نحو العالم، إذ اكتشفت أعمال بابلو بيكاسو، هنري ماتيس، وأميديو موديلياني. تلك اللوحات التي تمزج بين التبسيط والتجريد أثّرت في مخيّلتها، وبدأت بتطوير أسلوبها الخاص الذي يعتمد على تفكيك الأشكال وإعادة تشكيلها في تكوينات جديدة تعكس نظرتها الشخصية للواقع.



بين الفن والتطبيق

بعد إنهاء دراستها الثانوية، التحقت إيناس بمدرسة الفنون التطبيقية في تولوز، حيث درست التصميم والفنون الجميلة. كانت تلك الفترة مرحلة تجريب واكتشاف، حيث اختبرت مختلف الوسائط والتقنيات، من الرسم بالزيت إلى الطباعة الرقمية. إلّا أنّ شغفها الحقيقي ظلّ متّجهاً نحو التشكيل بالألوان الزيتية، حيث وجدت في هذه الوسيلة أفضل طريقة للتعبير عن انفعالاتها الداخلية.


بعد تخرّجها، انتقلت إلى باريس في العام 2013، تلك المدينة التي لطالما كانت مهداً للفنانين. هناك، بدأت مشاركتها في المشهد الفني بطريقة غير تقليدية، حيث اعتمدت على وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصةً "إنستغرام"، كمنصة لعرض أعمالها. في وقت كانت فيه المنصّات الرقميّة لا تزال غير مُستغلَّة بالكامل في مجال الفن، وجدت إيناس طريقة ذكية لبناء جمهور من عشاق الفن الذين انجذبوا إلى أسلوبها الفريد.



أسلوبها التشكيلي

تتميّز أعمال لونجيفيال باستخدامها ألواناً دافئة وحارّة، مثل الأحمر، الوردي، البرتقالي، والأصفر. كل تلك الألوان تُضفي طابعاً شاعرياً على لوحاتها. لا تسعى الفنانة إلى تقديم تمثيلات واقعية، بل تلجأ إلى التبسيط والتجريد الهندسي، حيث تقسم الوجوه والأجساد إلى أشكال متداخلة تشبه لوحات بيكاسو التكعيبية، ولكن بأسلوب أكثر نعومة وأقل حدّة.


أبرز ما يميّز أعمالها هو استخدامها ملامح الوجه كـ "مساحة للبَوح العاطفي"، حيث تستخدم التجريد الهندسي والتداخلات اللّونية لكشف التعقيدات النفسية. الوجوه في لوحاتها ليست مجرّد صور جامدة، بل نوافذ نحو المشاعر العميقة، حيث تنعكس عليها الهشاشة، القوة، والتجارب الذاتية. تؤدّي الألوان دوراً أساسياً في إبراز المشاعر المتناقضة، فتبدو الملامح وكأنها تبوح بأسرار دفينة دون الحاجة إلى كلمات. من خلال تفكيك التفاصيل وإعادة تشكيلها، تعيد لونجيفيال تعريف الجمال، مقدّمةً رؤية فنية تحتفي بفرادة كلّ وجه، حيث يصبح عدم التناسق والتداخل بين الألوان لغة بصرية تعبّر عن الهوية الإنسانية بكل تعقيداتها. وتستعمل التشوّهات والتداخلات اللونية كوسيلة لاستكشاف التعقيدات النفسية للهوية النسائية. فهي ترى أنّ الجمال لا يكمن في الكمال، بل في العيوب والانحناءات التي تجعل كل وجه فريداً.



خطوة أولى نحو العالمية

في العام 2017، جاءت لحظة الانطلاق الفعلية عندما دُعيت لعرض أعمالها في معرض "HVW8 Gallery" في لوس أنجلوس. لم يكن هذا الحدث مجرّد فرصة لعرض لوحاتها، بل كان بمثابة اعتراف عالمي بأسلوبها الفريد. بعد هذا المعرض، بدأت وسائل الإعلام تتحدّث عنها، ودُعيت للمشاركة في معارض دولية من باريس إلى نيويورك وطوكيو.



الأنوثة موضوع مركزي

تُعدّ الأنوثة القضية المحورية في فن لونجيفيال، حيث تسعى إلى تقديم رؤية بصرية جديدة لجمال المرأة بعيداً من المعايير النمطية. لا تمثّل المرأة في لوحاتها مجرّد موضوع جمالي، بل كيان يحمل مشاعر متناقضة، بين القوة والهشاشة، وبين الصمت والبوح. تقول الفنانة التشكيليّة "أحاول أن أقدّم صورة للمرأة لا تكون مجرّد انعكاس للمجتمع، بل تكون انعكاساً لنظرتها الذاتية لنفسها".



التعاون مع العلامات التجارية

على الرغم من أنها تفضّل الاحتفاظ بطابعها المستقل، إلّا أنّ لونجيفيال خاضت تجارب تعاون عدّة مع علامات تجارية عالمية، مثل "Nike"، و "Levi’s" و "Sézane"، حيث صمّمت مجموعات خاصة تحمل بصمتها اللّونية الفريدة. ولكن على الرغم من هذا التعاون، ظلّت حريصة على المحافظة على هويتها الفنية، رافضةً أيّ عرض قد يجرّد أعمالها من مضمونها العميق.



معرض العودة إلى الجذور

في العام 2022، نظّمت معرضها الأكبر تحت عنوان "Magic Hour"  في "كنيسة ليه جاكوبين" في أجان، حيث قدّمت أكثر من 60 عملاً فنياً. هذا المعرض كان بمثابة عودة إلى جذورها الأولى، حيث أرادت عرض أعمالها في مسقط رأسها ضمن مكان يحمل بعداً روحانياً، ما خلق حواراً فريداً بين العمارة القوطية والفن الحديث.



أثر السينما والموسيقى

لا تقتصر مصادر إلهام إيناس لونجيفيال على الفن التشكيليّ فقط، بل تتأثر أيضاً بالسينما والموسيقى. من بين الأفلام التي ألهمتها، تأتي أفلام المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار، الذي تشترك معه في حبّ الألوان الصاخبة وتقديم شخصيات نسائية قوية ومعقّدة. كما أنّ الموسيقى، بخاصة موسيقى الجاز والفلامنكو، تؤثّر في طريقة توزيعها الألوان وإيقاع ضربات الفرشاة على القماش.



قصر النظر نعمة فنية

على الرغم من نجاحاتها المتواصلة، واجهت لونجيفيال تحدّياً شخصياً يتمثل في معاناتها من قصر النظر الشديد، انعكس على طريقة رؤيتها العالم منذ طفولتها. لكنّها حوّلت هذا التّحدي إلى ميزة إبداعية، حيث جعلتها رؤيتها الضبابية تميل إلى التركيز على الكتل اللّونية بدلاً من التفاصيل الدقيقة، ما ساعدها على تطوير أسلوبها الفريد في استخدام الألوان والضوء.


اليوم، تُعتبر إيناس لونجيفيال واحدة من أهم الأسماء في الفن التشكيلي المعاصر، حيث تواصل تحدّي التقاليد وتقديم أعمال تعكس هوية المرأة في عالم سريع التغيُّر. من خلال لغتها البصرية الفريدة، لا تقدّم لنا فقط لوحات جميلة، بل مرآة تعكس المشاعر والتجارب الإنسانية بطريقة ساحرة ومؤثّرة.



مونوغرافيا


في 28 أيلول 2023، أصدرت دار النشر "Rizzoli New York"، أول مونوغرافيا دولية مخصّصة لأعمال الفنانة الفرنسية إيناس لونجيفيال. يتألّف هذا الكتاب من 250 صفحة، ويحمل عنواناً بسيطاً "Inès Longevial". يضمّ مجموعة واسعة من لوحاتها ورسوماتها، بما في ذلك صفحات من دفاترها التخطيطيّة، ما يمنح القارئ نظرة حميميّة على مصادر إلهامها ونهجها العفوي في الرسم، وقد كتبت النصوص كل من لولا كريمر وإليز روش، مع مقدّمة بقلم لاين بابان.