"بكّير؟" لا، ليس "بكّير" أبداً على الدراما اللبنانية، ولا على الحديث عن الحلقتين الأولى والثانية من مسلسل "بالدم" اللتين عُرضتا أمس وقبله على شاشة "mtv".
عادةً، المتعارف عليه، أن تترقّب الصحافة انطلاقة أيّ مسلسل، وتتريّث قبل أن تتناوله، فتنتظر مرور بعض حلقاته لتتوضّح معالمه وحبكاته وشخصيّاته. ولكن، لا داعي أبداً للانتظار، مع مسلسل من إنتاج "إيغل فيلمز"، وتوقيع مخيّلة الكاتبة ندين جابر وحرفيّتها، والإبداع "خارج الصندوق" الذي يتميّز به المخرج فيليب أسمر، وبطولة نجوم لبنانيين "يمثّلون" لنا أجمل الأحاسيس بتلقائية وطبيعية وواقعية، من دون أن "يمثّلوا" علينا.
المكتوب والمُصوَّر والمُجَسَّد يُقرأ من أولى حلقاته، لا بل من أولى لقطاته. فكيف إذا كانت هذه اللقطة الأولى مصوّرة بتقنيّة "One Shot" المعتمدة عادةً في السينما لا في مسلسل تلفزيوني، وتتطلّب جهداً كبيراً في الإعداد والتدريب والتنسيق والتمرين على الدقّة كساعة "بيغ بن"، لتمتدّ على عدة دقائق من دون توقّف؟
لقطات تكرّرت أكثر من مرّة في الحلقتين الأولى والثانية، فجعلتنا "نكزدر" وننساب مع رؤية فيليب أسمر، حيث تقاطعت دروبنا مع دروب شخصيّات التقت وألقت التحيّة ودردشت وتشاجرت قبل أن تتابع سَيرها لتلتقي شخصيات أخرى، بمنتهى التناغم ومن دون أي اصطدام أو إعادة.
اختيار رائع
وبما أننا بدأنا من لقطات الـ "one shot" التي سترافقنا على ما يبدو في كافة حلقات المسلسل، سنتوقف عند نقطة أخرى ظهرت بوضوح خلال هذه الـ "one shot" ، ولا تقلّ أهميّة في دعم الدراما اللبنانية وتقديمها بأجمل صورة: إنها الاختيار الرائع لمنطقة البترون البحريّة بجماليّاتها الطبيعية والعمرانية، التي كانت بطلاً أساسياً إلى جانب ماغي وبديع وباسم وماريلين وجوليا ورفيق وجيسي ونوال ورلى وسعيد وسمارة وسينتيا وكارول ووسام وجينا وتالين. لبنان بكامله هو ستوديو بانورامي طبيعي ساحر، والتركيز على التصوير في أجمل مناطقنا ومدننا وجبالنا وبحرنا وغاباتنا وينابيعنا، سيكون له وقع السحر والجذب الإضافي للجمهور العربي. وهنا اسمحوا لنا أن نذكّركم بإحدى أبرز نقاط نجاح الدراما التركية من خلال تحوّلها نوعاً ما، وزارة سياحة دعمت ولا تزال السياحة التركية. مَن منّا ومن الجمهور العربي لم يزر اسطنبول ليشاهد منزل مهنّد وسمر ويشتري ثياباً كملابس فيروز خانم، ويسير حيث سار أمير وفريحة ويلدز وإندر؟
ممثلونا أيضاً هم وزراء وسفراء الثقافة والفن والسياحة والاقتصاد في لبنان، وكلّهم من دون استثناء متناغمون مع بعضهم البعض ومع القصة والديكورات الطبيعية والمناخ الممزوج بالسحر والواقعية في الوقت عينه. كلّهم يتفاعلون بطبيعية وتلقائية، يجسّدون شخصيات صدّقناها وجعلتنا نشعر أنها قريبة منّا، تشبهنا بأسلوب حياتها ومفرداتها. شخصيات جذّابة في ما تحمله أو تخبّئه من ملامح ستظهر وتتظهّر تباعاً. اللافت في هاتيْن الحلقتيْن، الأجواء الحميميّة والنَفَس الرومانسي والطريف الطاغي، رغم أنّ كاتبة العمل ندين جابر بشّرتنا أننا سنبكي كثيراً لاحقاً.
رومانسية وطرافة يفتتحهما "ديو" غير تقليدي بين الغالية ماغي بو غصن والبديع بديع أبو شقرا في علاقة سريّة بين زوجيْن سابقيْن ووالديْن لفتاتيْن، على طريق العودة لبعضهما البعض. يتبعهما "الديو" العاطفي بين روميو وجانيت. نعم، للعالم روميوه وجولياته المراهقان، وللبنان بعد "بالدم" روميوه وجانيتّه الناضجان، مع الساحريْن جوليا قصّار ورفيق علي أحمد اللذين سيثبتان لنا أنّ الحب لا عمر له، ويمكن أن يستمر العمر كلّه، ولكن… هل سينجح في تحدّي الريح العاتية التي ستعصف بهما، وبابنتيهما (بين هلاليْن) الكبرى غالية، والصغرى تمارا التي لم تعد تؤمن بالحب وتسعى لإنجاب طفل عبر تجميد بويضاتها؟
ثنائيّات
رومانسية وطرافة الثنائيات يكملهما "ديو" باسم مغنية في دور طريف و "مهضوم" للبناني "الحربوق" الذي يتحايل على الدولة والحياة وأمه الطريفة والمجبولة بالتلقائية نوال كامل، وزوجته ليال (رلى بقسماتي) الحامل بوجع كبير وسرّ أكبر. رابع هذه الثنائيّات التي تعد بكثير من الحب والمشاعر، "ديو" طبيب الأطفال آدم (سعيد سرحان بحضور دافئ في دور رومانسي يعد بكثير من الرقة والحب) و"البونبونة" ماريلين نعمان بشخصية الممرضة حنين سهيل حمد، صاحبة سجل 107 جبيل، التي تحمل على كاهلها مسؤوليات كبيرة، وفي جسدها كلية أمّها سمارة نهرا، وفي عينيها دموع، وعلى شفتيها ابتسامة تتقاسمها مع الأطفال المرضى، وهي تلاعبهم بأنف أحمر وكف "فلافل" الشهير لدى مرضى "مركز سرطان الأطفال" في لبنان.
أيضاً ثنائية، بل ثلاثية مختلفة، مع وسام فارس في دَور الشاب الوصولي والانتهازي الذي لا يتردّد في إقامة علاقتيْن في الوقت نفسه، مع عدلا (سينتيا كرم) الفتاة البسيطة عقلاً والطيّبة قلباً، وطبيبة "حيّ البحر" الغامضة كعمق البحر، كارول عبود.
وتبقى الثنائية الأهم والأبرز، ثنائية ندين جابر وفيليب أسمر التي أثبتت نجاحها وتناغمها وقدرتها على إنجاب أفضل الأفكار ، بالمضمون والصورة، وعلى إدهاشنا مرّةً بعد مرّة، وفي كلّ مرّة أكثر من المرّة السابقة. بصمة فيليب أسمر في الابتكار وخصوصاً التجدّد والإبداع المشهدي "المُدهشي" ، واضحة وضوح الشمس وغزارة البحر. مخيّلة ندين جابر وحبكاتها المتشعّبة وموضوعاتها الجديدة والصادمة رغم أنها من صلب المجتمع، تشبه شرايين الدم المتدفق في جسم المسلسل، لجعله ينبض ويعيش طويلاً في ذاكرتنا.
حلقتان أولى وثانية، سريعتا الإيقاع والأحداث، سينمائيّتا المشهدية، بانوراميّتا الجمال، أضاءتا تقريباً على خلفيّة كلّ شخصيّة، وفتحتا الباب واسعاً للريح التي ستعصف بتلك العائلات وتشلّع استقرارها. موضوعات بعضها جديد لم يسبق أن تمّ تناوله في الدراما اللبنانية من قبل (مرض التلاسيميا على سبيل المثال لا الحصر) وبعضها جريء ستطرحه ندين جابر بأسلوبها الخاص، والآتي كما يبدو أعظم. أيضاً، لا بدّ من الإشارة إلى براعة الثنائي فيليب أسمر وندين جابر في قفل حلقاتهما كلّها بحدث قوي وصادم، يجمّد الدم في العروق، وهو جزء أساسي من تقنية الجذب …
أخيراً وليس آخراً، "فحص الدم" الأوّلي للحلقتين الأولييْن من "بالدم"، أظهر أنّ المسلسل مصاب بجرثومة يصعب القضاء عليها، لأنها تجري في دم كافة طاقم عائلة "إيغل فيلمز". سنكرّر إجراء فحص الدم مرّةً ثانية وثالثة وثلاثين... والنتيجة كما يبدو، ستظل نفسها: AB إبداع.



