جوزيفين حبشي

بين الواقع والخيال... شكراً من القلب

3 دقائق للقراءة

أليس الواقع أهم وأجمل وأقوى ملهم لخيال الكاتب؟ طبعاً، لذلك شكراً لكلّ كاتب لبناني، عربي، أو عالمي، يعتمد واقع مجتمعه، ليقدّم قصصاً ملهمة ومحفّزة، تسعى إلى تغيير حياة آلاف الأشخاص الذين يعانون أوجاعاً مشابهة.  



شكراً لتلك الرغبة في ملامسة أرواحنا الإنسانية، ومعالجة أوجاعنا الاجتماعية، وتضميد جراحنا الحياتية، من خلال الغوص في أعماق قضايانا وآفاتنا وويلاتنا، بدل الانطلاق نحو مجتمع كوكب المريخ أو مدينة في "عطارد الفوقا"، أو ربما قرية من قرى "جوبيتر التحتا".




شكراً لكل تلك التحف السينمائية والدرامية والمسرحية التي نجحت، إضافةً إلى لغتها الفنّية المتمكّنة، في أن تكون ملهمة ومحفّزة على التغيير بفضل انطلاقها من منبع واقعي، واقتباسها الحقيقي، قبل أن تنسج بخيوط المتخيّل بنيتها الفنية الدرامية.



تريدون بعض الأمثلة؟ عالمياً سأذكر أفلاماً مثل "Patch Adams" و "Hotel Rwanda" و "The Pursuit Of Happiness" و "Glory Road" وغيرها الكثير. عربيّاً، فيلم "أريد حلاً" الذي ساهم في تغيير قانون حق المرأة بخلع زوجها، بعدما تطرّق الى مأساة ملايين النساء المصريات اللواتي شعرنا يومها أنّ قصة فاتن حمامة هي قصة كل واحدة منهن.


في لبنان الأمر مماثل، فمئات لا بل آلاف النساء اللبنانيات المعنّفات والمقتولات على أيدي أزواج وآباء وأشقاء، ضمّدن جراحهنّ على الشاشة مع سلسلات مثل "بردانة أنا" و "عَ أمل"، وردّدن "هذه قصّتي" لأنها جاءت كمرآة لواقعهنّ، فتجرّأن ربما على قول كلمة "كفى" بأعلى الصوت. مئات لا بل الآلاف من النازحين السوريين إلى لبنان خلال الحرب، شاهدوا وجعهم في سلسلات مثل "سنعود بعد قليل" و "النار بالنار"، وقالوا "هذه قصتي" لأنها تنقل واقعهم. مئات لا بل الآلاف من القاصرات، ردّدن "هذه قصتي" عند رؤية مشهد هرب مجدلا مع ابنتها القاصر، لإنقاذها من الزواج في مسلسل "بكّير"، وتزويج لميس لعجوز بعمر جدّها في مسلسل "للموت".



مئات لا بل آلاف العائلات في المجتمع اللبناني، عاشت البارحة وتعيش اليوم وربما غداً، أزمات قضايا واقعية عديدة يتطرّق إليها مسلسل "بالدم"، من تجارة الأطفال، إلى نقل الأعضاء ومرض التلاسيميا والتبنّي وتجميد البويضات بهدف الإنجاب وغيرها. قضايا هي أزمات المئات في مجتمعنا، بعضها لا يزال طيّ الكتمان، وبعضها الآخر معلن عنه ومسجّل في جمعيات عديدة، اتّحدت كلّها وتحوّلت قصة متجانسة مترابطة، يتداخل فيها الحقيقي والواقعي بالمتخيّل، بفضل ندين جابر التي لطالما بحثت عن الوجع في جسم المجتمع، وحاولت أن تنقل له ولنا قطرات "دم" كفيلة بالإنعاش.



شكراً لها ولكلّ كاتبٍ مؤمن بقضايا مجتمعه، يعيد الأمل بالاضاءة على واقع اجتماعي مظلم. شكراً أيضاً من القلب لـ "إيغل فيلمز" ومسلسل "بالدم" تحديداً، اللذين يستندان إلى الواقع الاجتماعي اللبناني، ليُعيدا دعم واقع الدراما اللبنانية وإيصالها إلى العالم العربي كلّه.