هل ينزل "حزب الله" السلّم درجة تلو درجة، فيمهّد لجمهوره تجرّع مفاعيل الهزيمة القاصمة وتبدّل المشهد الجيوسياسي في المنطقة وانطلاقة عهد جديد في لبنان لا يرغب بعقد المساكنة بالإكراه بين الدولة والدويلة؟ وهل يتحرّر نبيه برّي بعد عقود من التبعية لـ"حزب الله" ويربح المراهنون عليه بعدما خسروا الرهان غير مرّة وظلّوا يجرّبون نبيه برّي المجرَّب والخارج عن ميثاق حركته ومبادئ مؤسّسها المغيّب؟
يجيب هذا المقال عن السؤالين معاً وبكلمات وجيزة: لا، بل بدأ الانقلاب على العهد.
وبينما يفرغ الداخل من قراءة مشهد التشييع، وسرب الطائرات الإسرائيلية المستعرضة مزهوّةً فوق الأعين البصيرة والأيدي القصيرة، والطقوس الغريبة العجيبة التي تمارسها الحشود المتحوّلة إلى التشيّع الخميني، وهزال الأمين العام المتبقي لـ"حزب الله" نعيم قاسم بخطابه المزدوج حدّ التناقض الحاد والقول بالشيء وعكسه معاً.، لزوم تقطيع الوقت، وانتظار التحضير للانقلاب على العهد. أشهَرَ نعيم قاسم ثباته على الولاية (أي الولاء السياسي للخامنئي)، ما يناقض إعلانه عن الانتماء للبنان كوطن نهائي. وتمسّك بالمقاومة مطعّمةً بالتزام وثيقة الوفاق الوطني التي تدعو إلى حلّ جميع الميليشيات (بما فيها حزبه). خطاب نعيم قاسم الأخير، بازدواجيته، يحمل معنى واحداً والمعنى الثاني من باب التقية. إذ لا يمكن تحويل "حزب الله" إلى حزب سياسي أو منظمة كشفية أو جمعية دينية.
"حزب الله" بالأساس منظمة ذات صلات عضوية بالنظام الإسلامي في إيران وأدوار متكاملة في الأمن والجريمة والتطرّف الديني والسياسي والاقتصاد الموازي والتعليم الرديف. تبقى أو تسقط جميع هذه الأدوار معاً. وإذا ما انقطعت صلتها عن إيران، فلا فرصة للبننة حزب الوليّ الفقيه ولا حاضنة له في المجتمع اللبناني التعدّدي.
وأتت كلمة السرّ من طهران. فانبرى الأخ الأكبر نبيه برّي مستحقّاً بجدارة تبعيّته لأمر العمليات الإيراني. اخترع أرنب السلاح شمال الليطاني، لكأنّ المقاومة لدى زمرة "الثنائي" غير متعلّقة بردة فعل على احتلال وهدفها إنهاؤه وتنتفي بزواله. بل سلاح للزينة، وعسكرةٌ لطائفة، وبلطجة وترهيب، وتجلب الاحتلال بعد تحرير والنكبة بلا تنمية. هذا نهج "الثنائي" وهذا عهده.
وبهذا يحدث الانقلاب على العهد الذي بدأ يخطو أولى خطواته الثابتة مع زيارة الرئيس جوزاف عون إلى المملكة العربية السعودية ولسان حاله عهود خطاب القسم واحتكار الدولة وحدها وظيفة الدفاع والأمن. فهل يقطع العهد دابر الانقلاب بمواجهة الثنائي مواجهةً لا مواربة فيها بل فرض عودة الشيعة إلى مجتمعهم وقومهم ودولتهم؟